حماتي سرقت
ابن سعاد.
جري عليا .
وسعاد كانت واقفة بعيد مبتسمة لأول مرة.
قربت مني وقالت أهو ربنا رجعلك حقك ورجع لابني أبوه الحقيقي.
ابتسمت بهدوء وبصيت للسما.
وأول مرة من سنين
حسيت إن أبويا مرتاح بعد سنة كاملة
كنت قاعدة في مكتبي الجديد فوق دار الأيتام، أراجع حسابات المكان، لما السكرتيرة دخلت بتوتر وقالت في راجل بره مُصر يقابلك.
رفعت عيني بضيق مين؟
قالت بصوت واطي عصام.
سكت ثواني.
كنت فاكرة إني نسيت ملامحه لكن أول ما دخل، حسيت قد إيه الزمن بيكسر الناس.
شعره كله شاب، جسمه خِس، وعينيه مطفية.
ماكانش شبه الراجل اللي وقف قدامي يوم وقال هتعيشي خدامة تحت رجلين هناء.
وقف قدامي مطول، وبعدين مدلي ظرف قديم.
ده جواب أبوكي كان مع أمي.
إيدي اترعشت وأنا بفتحه.
كان بخط أبويا فعلًا
لو بتقري الجواب ده يا ليلى، يبقى أنا غالبًا مش موجود. خلي بالك من حقك ومن قلبك. في ناس لما تجوعيهم للفلوس ياكلوا روحك، بس إوعي القسوة تغيّرك. اللي يسرق حقك خديه بالقانون، لكن متخليش الكره يسكنك.
دموعي نزلت غصب عني.
بصيت لعصام عايز إيه؟
نزل عينه للأرض وقال مفيش. أنا بس خرجت من السجن وملقتش مكان أروحه. أمي ماتت هناك وهناء سابتني بعد ما الفلوس راحت.
كان صوته مكسور بطريقة عمري ما تخيلتها.
سكت شوية، ثم قال أنا استاهل كل اللي حصلي.
قمت بهدوء، وفتحت الدرج، وطلعت مبلغ صغير.
حطيته قدامه.
بصلي بدهشة إيه ده؟
قلت بهدوء دي مشفقة دي نهاية عشرة. خدهم وابدأ أي شغل بعيد عني.
حاول يرفض، لكني أشرت ناحية الباب الفرصة اللي ضيعتها معايا عمرها ما هترجع.
خرج عصام
ولما الباب اتقفل وراه، حسيت بحاجة غريبة
ولا شماتة.
ولا وجع.
مجرد راحة.
بعدها بشهور، وقفت قدام صورة أبويا في دار الأيتام، والأطفال بيجروا حواليا ويضحكوا.
ابتسمت للصورة وقلت حقك رجع يا بابا وأنا كمان رجعت لنفسي.
وفي اللحظة دي، عرفت إن أقسى انتقام مش إنك تدمر اللي ظلمك
أقسى انتقام إنك تعيش سعيد بعده بعد سنتين
الناس كلها كانت فاكرة إن حكاية ليلى خلصت، وإن الست اللي اتغدر بيها قامت على رجلها وخلاص.
بس الحقيقة إن النهاية الحقيقية جت في ليلة مطر تقيلة، وأنا راجعة من دار الأيتام.
تليفوني رن.
رقم مستشفى.
رديت باستغراب، فجالي صوت دكتور مدام ليلى؟ في مريض عندنا طالب يشوفك قبل ما يموت.
قلبي اتقبض فجأة مين؟
الدكتور سكت ثانية وقال الحاجة نظيرة.
اتجمدت مكاني.
حماتي الست اللي خربت حياتي بتموت؟
روحت المستشفى وأنا مش فاهمة ليه قلبي بيدق كده. يمكن عشان آخر مرة شوفتها كانت وهي بتتسحب على عربية الشرطة وتصرخ الفلوس دي بتاعتنا!
دخلت الأوضة.
لقيتها هزيلة جدًا، جسمها دوب، وعينيها غايرة لجوا.
أول ما شافتني، دموعها نزلت.
أول مرة أشوف الحاجة نظيرة بتعيط بجد.
مدت إيد مرتعشة ناحيتي سامحيني يا ليلى.
فضلت واقفة مكاني.
قالت بصوت متقطع أنا اللي ضيعت ابني وربيت الطمع جواه كنت فاكرة الفلوس هتخلينا ملوك.
سكتت تاخد نفسها بالعافية، وبعدين قالت العمارة والدهب والمحلات كل ده راح. وعصام بقى تايه في الشوارع. وأنا محدش رضي يزورني غيرك.
الكلمة الأخيرة كسرت حاجة جوايا.
قربت منها بهدوء.
طلعت من تحت المخدة مفتاح صغير وسلسلة قديمة.
حطتهم في إيدي وقالت أبوكِ كان مخبي أمانة ليكي وأنا سرقتها.
بصيت للمفتاح باستغراب.
قالت وهي بتنهج في مخزن قديم باسم المعلم سيد روحيله.
وبعدها بلحظات
جهاز القلب بدأ يصفر.
الدكاترة جريوا.
وأنا واقفة ببص لها الست اللي دمرت عمري بتموت قدامي.
لكن قبل ما عينيها تقفل، همست أبوكِ كان بيحبك أوي
وماتت.
تاني يوم، روحت للمخزن القديم.
مكان مهجور ومليان تراب.
فتحت بالمفتاح، ودخلت.
وفي آخر المخزن كان فيه صندوق خشب كبير.
فتحته بإيد مرتعشة.
ولقيت جواه مفاجأة عمري ما توقعتها.
دفاتر قديمة بخط أبويا وصور ليا وأنا صغيرة ورسالة فوق الكل مكتوب عليها لبنتي ليلى لو الأيام قست عليكي.
فتحت الرسالة ودموعي بتنزل.
يا ليلى لو وصلتي هنا، يبقى عرفتي إن الدنيا مبتأمنش لحد. أنا سيبتلك فلوس تكفيكي عمرك كله، بس الأهم سيبتلك سمعة طيبة واسم نضيف. حافظي عليهم، لأن المال بيتسرق إنما الأصل الطيب عمره ما يضيع.
كان جوا الصندوق أوراق حسابات وشهادات استثمار باسمى بثروة أكبر بكتير من اللي اتسرق مني.
وقتها بس
ضحكت وسط دموعي.
لأن ربنا ما رجعليش حقي وبس
ده كان مخبيلي رزق عمري كله بعد الصبر.
خرجت من المخزن، والشمس كانت طالعة بعد المطر.
رفعت وشي للسما وابتسمت.
وأول مرة من سنين طويلة
حسيت إن كل الوجع انتهى فعلًا بعد خمس سنين
اسم ليلى بنت المعلم سيد بقى معروف في البلد كلها.
مش عشان الفلوس لكن عشان دار الأيتام والمستشفى الصغير اللي بنته لله، وكل طفل ملوش أهل كان بيلاقي عندها أمان.
وفي ليلة هادية، كانت ليلى قاعدة في بلكونة بيتها الجديد، تشرب
نزلت باستغراب.
ولما شافته قلبها وقف لحظة.
عصام.
لكن مش عصام اللي عرفته.
كان قاعد على كرسي متحرك، جسمه هزيل، ونص وشه متشوه من حادثة.
بصلها بعين مكسورة وقال عارف إن ماليش حق أشوفك بس دي آخر مرة.
فضلت ساكتة.
طلع من جيبه علبة صغيرة قديمة ومدهالها.
فتحتها ببطء
لقيت دبلتها.
الدبلة اللي شالها من إيدها يوم كسر قلبها.
قال بصوت متقطع فضلت محتفظ بيها كل يوم أفتكر أنا خسرت إيه.
دموعه نزلت لأول مرة قدامها.
أنا اتعاقبت يا ليلى أمي ماتت، والناس سابتني، والفلوس راحت وحتى صحتي راحت.
بصتله طويل.
الغريب إنها ماحستش بكره ولا حب.
حست إن الراجل اللي قدامها مجرد حكاية قديمة انتهت.
قال برجاء محتاج أسألك
سؤال واحد سامحتيني؟
ليلى بصت للسما شوية، ثم قالت بهدوء أنا سامحت نفسي إني وثقت في ناس غلط ومن يومها قلبي ارتاح.
سكت عصام، وفهم إن دي أقصى رحمة ممكن ياخدها.
لفت تمشي، لكنه ناداها ليلى
بصتله من غير كلام.
ابتسم وسط دموعه وقال أبوكِ كان عنده حق إنتِ أغلى من أي فلوس.
ومشي.
بعدها بأيام، عرفت إنه مات.
لوحده.
لكن قبل ما يموت، كتب كل اللي فاضل باسمه لدار الأيتام.
وفي يوم افتتاح جناح جديد باسم عصام، وقفت ليلى تبص للأطفال وهم بيلعبوا ويضحكوا.
واحدة صغيرة شدت طرف فستانها وقالت هو مين عصام ده يا طنط؟
ابتسمت ليلى بهدوء، وبصت بعيد ناحية السما.
وقالت حد اتأخر أوي بس عرف الحقيقة في الآخر.
والأطفال رجعوا يضحكوا حواليها، بينما الشمس كانت
أما ليلى
فأخيرًا فهمت إن النهاية الحقيقية مش إن اللي ظلمك يقع.
النهاية الحقيقية
إنك تقوم إنت.