قبل شهر
كاملا ديفي قعدت على الكرسي بتعب وقالت اقعدي يا بنتي اللي هتسمعيه مش سهل.
قعدت وأنا ماسكة في هدومي بإيدي اللي بترتعش.
أرجون بدأ الكلام بصوت واطي من قبل ما نتجوز كان عندي أخت صغيرة اسمها ميرا. كانت مريضة مرض نادر في الدم، وكانت محتاجة نقل مستمر لبروتينات معينة، والدكاترة قالوا إن لبن الأم ممكن يساعدها تقوى شوية في مناعتها وهي رضيعة.
اتجمدت وأنا أسمع.
كمل أمي وقتها كانت تعبانة ومش قادرة ترضعها، ومفيش أي أم تانية كانت مناسبة ليها لحد ما الدكاترة قالوا إن لبن بشري متبرع ممكن ينقذها.
بصلي بسرعة وقال ولما إنتِ ولدتِ وكنا شايفين إن عندك زيادة في الحليب، حاولنا ندور على طريقة آمنة نستفيد بيها بدل ما نضيعها، خصوصاً إن ميرا حالتها ساءت فجأة.
سكت لحظة وبعدين قال ما قلناش ليكي لأننا كنا خايفين ترفضي، أو تتوتري بعد الولادة.
بصيت للبنت اللي واقفة جنب السرير، وشفت ملامحها للمرة الأولى بوضوح.
كانت أضعف من إنها تخبي حاجة.
قالت بصوت مخنوق أنا ليلى أخت أرجون من أبوه. ميرا بنتي بس اتولدت بعد ما أمي ماتت بساعات، وأنا ما عنديش حليب كفاية، والدكاترة قالوا إن لبن الأم التانية هو الأمل الوحيد.
حسيت قلبي بينقبض.
مش خيانة مش سر قذر
دي حياة طفل بتتعلق بقطرات حليب.
أرجون قرب مني وقال كل اللي عملته إني حاولت أنقذ بنت عمتي ومقدرتش أقولك عشان كنت
سكت.
وبعدين أمه قالت بهدوء إحنا غلطنا في حاجة واحدة إننا خبّينا عليكِ.
بصيت على الطفل اللي بين إيد ليلى كان بيهدأ وهو بيرضع لأول مرة بسلام.
والدموع نزلت مني غصب عني.
مش لأن في خيانة
لكن لأن الحقيقة كانت أكبر من الغضب اللي كنت شايلاه.
قمت قربت خطوة وقلت بصوت واطي كان ممكن تقولوا من الأول مفيش حاجة تستاهل الخوف ده.
أرجون نزل رأسه كنت خايف نخسرك.
سكت المكان كله تاني
بس المرة دي، السكون كان أهدى.
ولأول مرة، ما بيني وبينهم، ماكانش في شك كان في فهم متأخر، بس حقيقي الليلة دي ما رجعتش البيت زي الأول.
رجعت وأنا حاسة إن في حاجة اتغيرت جوايا مش بس في القصة، لكن في البيت كله.
أول ما دخلت، لقيت بنتي ليان نايمة في حضن أمي، هادية كأنها ما حسّتش باللي حصل. قربت منها، مسحت على شعرها، وقعدت جنبها فترة طويلة من غير كلام.
أرجون دخل بعدي بدقايق، وكان باين عليه الإرهاق أكتر من أي حاجة تانية.
وقف عند الباب وقال بهدوء أنا هنام جنبك لو تسمحي بس لو حابة تبعديني، هحترم ده.
بصيت له.
مش نفس النظرة اللي كانت قبل ساعات ولا قبل أيام.
قلت له مش عايزة عقاب عايزة وضوح.
هز راسه وقعد على طرف السرير.
سكتنا شوية، وبعدين أنا اللي بدأت الكلام من النهاردة، مفيش أي قرار يتاخد لوحدك. لا على حسابي ولا على حساب بنتنا.
رد بسرعة
في الأيام اللي بعدها، الدنيا بدأت تاخد شكل مختلف.
ميرا اتحولت لحالة تحت متابعة دكتور، واترتّب موضوع التبرعات بشكل قانوني ومنظم. وبقيت أزور بيت أمه مع أرجون أوقات، لكن المرة دي وأنا عارفة كل حاجة.
ليلى بدأت تهدى شوية، وبقت تبتسم لما تشوفني، حتى لو بخجل.
وفي مرة، وأنا قاعدة شايلة ميرا، قالت لي بصوت واطي أنا كنت فاكرة إنك هتكرهيها.
ابتسمت وقلت الأطفال ما بيتحاسبوش على خوف الكبار.
بصتلي دموعها في عينيها وقالت إنتي مش زي ما كنت متخيلة.
رديت بهدوء وأنا كمان كنت فاكرة إن الحياة أبسط من كده.
مرّت أسابيع
والغريب إن البيت اللي كان مليان قلق وسر بقى فيه نوع من الهدوء اللي ملوش تفسير.
أرجون بقى صريح أكتر، حتى في أصغر التفاصيل. وأنا بقيت أهدى، مش لأني نسيت، لكن لأني فهمت إن الخوف ساعات بيخلّي الناس تغلط وهي بتحاول تنقذ.
وفي يوم، وأنا قاعدة قدام الشباك، شايلة ليان، وأرجون واقف جنبنا، قال لي تعرفي؟ يمكن اللي حصل خلّاني أفهم معنى العيلة صح.
بصيت له وسكت.
وبعدين قلت العيلة مش اللي ما يغلطوش العيلة اللي ما يخبوشش عن بعض.
هز راسه بابتسامة صغيرة.
وفي اللحظة دي، ليان ضحكت ضحكة خفيفة، كأنها بتقفل كل باب خوف اتفتح قبل كده.
والمشهد كله كان بسيط
بس لأول مرة، كان حقيقي عدت شهور بعدها والحياة بدأت ترجع تمشي بشكل طبيعي، لكن بشكل
ميرا كبرت شوية، وصحتها اتحسنت بشكل واضح مع المتابعة الطبية والتغذية المنظمة. ما بقاش فيه أي اعتماد على السر أو الخوف، كل حاجة بقت تحت إشراف دكاترة، وده خلّى الكل يطمن.
ليلى بدأت تشتغل على حياتها من جديد، وبقت تيجي تزور بنتها وهي مبتسمة بدل ما كانت جاية وهي منهارة. وفي مرة، قالت لي وهي شايلة ميرا يمكن ربنا بعتك في الوقت الصح.
ابتسمت ومردتش، بس جوايا كنت عارفة إن الموضوع كله أكبر من صح وغلط كان اختبار قلوب.
أرجون بقى أهدى، لكن الأهم إنه بقى واضح. مفيش حركة وراه ضوء خفي، ومفيش قرار يتاخد من غير ما يبص في عيني الأول.
وفي ليلة، بعد ما ليان نامت، قعدنا سوا في الصالة.
قال لي بهدوء أنا اتعلمت درس عمري ما هنساه.
سألته إيه هو؟
قال إن النية لوحدها مش كفاية لازم وضوح. لأن الحب من غير وضوح بيخوف أكتر من الغلط نفسه.
سكتت شوية، وبعدين قلت وأنا اتعلمت إن الأم مش بس اللي بترضّع الأم كمان اللي بتفهم لما الدنيا تبقى أعقد من إنها تتشرح بسهولة.
بصلي وبابتسامة خفيفة قال يعني سامحتيني؟
قمت قربت من بنتي اللي نايمة، ومسحت على شعرها، وقلت وأنا بصاله أنا ما نسيتش بس كملت.
وفي اللحظة دي، ليان فتحت عينيها لحظة، وبصت لنا، وبعدين ابتسمت ونامت تاني.
كأنها كانت بتقول من غير كلام البيت رجع هادي.
وإحنا الاثنين سكتنا مش لأن مفيش
لكن لأن النهاية اللي بنيناها سوا، كانت أهدى من أي كلام.