اشتريت بيت طفولتي بقلم احمد محمود
اشتريت بيت طفولتي في مزاد وفي أول ليلة ليا جواه، أمي اتصلت بيا وهي بتعيط وقالت قوليلي بالله عليكي إنك لسه ما لقيتيش الأوضة اللي أبوكي قفلها بالطوب.
كان عندي ستاشر سنة يوم ما خسرنا البيت.
ما اتبعش اتاخد مننا.
أبويا كان متأخر في الأقساط بقاله شهور، ومتجاهل كل الإنذارات، لحد ما في صباح شتوي مطر، جم ناس غُرب حطّوا عفشنا كله على الرصيف، وأمي واقفة في مدخل البيت حاطة إيديها على بقها ومش قادرة تنطق.
فاكرة أخويا الصغير كريم وهو بيعيط عشان كؤوس المدرسة بتاعته كانت مترمية جوه كيس زبالة سودا.
وفاكرة أبويا ما بصّش لحد فينا وقتها.
بعدها نقلنا لشقة ضيقة فوق مغسلة هدوم، وأمي من يومها ما جابتش سيرة البيت تاني.
بس أنا عمري ما نسيته.
فضل في بالي طول سنين الكلية، وطول شغلي في وظيفتين، وطول الليالي اللي كنت بنام فيها جعانة عشان أوفر فلوس. وكان عندي وعد واحد لنفسي هرجّع البيت مهما حصل.
وبعد عشرين سنة رجّعته فعلًا.
البيت نزل في مزاد بعد وفاة صاحبه الأخير. كان أصغر بكتير من اللي فاكراه، الدهان واقع، والحشائش مالية السلم، بس أول ما المفتاح لمس إيدي عيطت.
في أول ليلة، فضلت ألف من أوضة لأوضة، ألمس الحيطان كأنها لسه فاكراني.
لحد ما لاحظت حاجة غريبة ورا المخزن الصغير اللي جنب المطبخ.
حتة في الحيطة شكلها مختلف عن باقي البيت.
قبل ما أقرب، موبايلي رن.
كانت أمي.
كانت بتعيط بطريقة خوفتني بالكاد فهمت كلامها.
قالت بالله عليكي قوليلي إنك ما لقيتيش الأوضة اللي أبوكي قفلها.
اتجمد الدم في عروقي.
قلت أوضة إيه؟
سكتت شوية
وبعدين همست بصوت مرتعش الأوضة اللي خلاني أوعده إني أنساها.
كدبت عليها وقلت إني ما شوفتش
لكن أول ما قفلت، رجعت للحيطة دي وخبطت عليها بإيدي.
كان صوتها فاضي من جوه.
وإيديا بتترعش، جبت شاكوش قديم من الجراج، وكسرت جزء صغير.
ولما فتحت نور الفلاش وبصيت جوا
اتسمرت مكاني لو عاوزين
النور من الفلاش اتكسر جوه الحيطة كأنه دخل بئر مش مخزن.
مش شايفة قدامي غير خشب متعفن وطوب متراص بعشوائية بس في حاجة واحدة بس اللي خلت إيدي تتجمد قبل ما أكمّل كسر.
صوت.
مش صوت هواء ولا فئران كان زي نفس بيتحبس وبيرجع تاني.
رجعت خطوة لورا بسرعة، قلبي بيدق كأنه هيخرج من صدري، وكررت بصوت واطي
في حد هنا؟
مفيش رد.
بس الفلاش وقع على حاجة لامعة بين الطوب.
سحبت إيدي بحذر، وطلّعت قطعة معدن صغيرة عليها نقش قديم جدًا.
اسم أبويا.
وقتها بس حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.
إزاي حاجة تخص أبويا تكون جوه حيطة مقفولة بالطوب؟
قبل ما أستوعب، موبايل أمي رن تاني.
نفس الرقم.
نفس البكاء بس المرة دي كان أعنف.
صرخت في التليفون
إنتِ عارفة إيه اللي ورا الحيطة دي؟!
سكتت ثانيتين وبعدين قالت جملة خلت جسمي كله يقشعر
اقفليها يا بنتي لو فتحتيها مش هتعرفي ترجعي زي ما كنتي.
وقبل ما أسألها أي حاجة، سمعت صوت في الخلفية صوت رجولي خافت، قريب منها قوي
قلتِ لها ولا لسه؟
المكالمة اتقطعت.
وقفت في مكاني مش عارفة أتنفس.
ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت حسّيت إن البيت مش فاضي.
إنه كان مستنيني.
رجعت للحيطة، وإيدي بقت بتكسر الطوب من غير تفكير، كأن في حاجة أقوى مني بتسحبني.
طوبة وراها طوبة لحد ما ظهر فتحة صغيرة.
ومن جوه كان في سواد أغمق من أي ظلمة شفتها.
بس المرة دي السواد اتحرك.
وبهدوء شديد اتقال من جوه
رجعتي أخيرًاالنور من الفلاش
وقفت على بعد خطوة من الباب المفتوح.
ماكانش في حاجة ظاهرة بس الإحساس كان كافي يخلي جلدي يقشعر، كأن في عيون كتير بتبصلي من جوه.
سمعت صوت نفس قريب جدًا.
مش نفس واحد.
أكتر من نفس.
اتراجعت سنة لورا، لكن رجلي اتعلّقت في الطوب المكسور، وكدت أقع.
وفي اللحظة دي
سمعت حاجة خبطت على الأرض من جوه الممر.
وبعدها خطوة.
خطوة واحدة بس.
لكنها كانت كفاية تخلي قلبي يقف.
بصيت للموبايل بسرعة الشبكة فصلت.
تمامًا.
كأني اتقطعت عن العالم كله جوه البيت ده.
رفعت الفلاش تاني، وقررت أتحرك حتى لو خطوة واحدة.
دخلت الممر.
الهواء جوه كان أبرد كأنه خارج من تحت الأرض.
ومع كل خطوة، الحيطان كانت فيها علامات قديمة محفورة مش مفهومة زي رموز.
ولما قربت من نص الممر، لقيت حاجة مرمية على الأرض.
دفتر صغير جلده باهت جدًا.
فتحته بإيدي المرتعشة.
كان مكتوب بخط أبويا.
أول سطر شدّني لدرجة إني حسيت إني هقع
لو رجعت البيت بعد موتي ما تثقيش في أمك.
سكتت.
الدنيا كلها سكتت معايا.
رفعت عيني فجأة
ولقيت باب الخشب في آخر الممر مقفول تاني.
مش بس مقفول
السلسلة رجعت مكانها.
زي ما كانت متركبة من الأول.
وبهدوء شديد
سمعت صوت ورايا مباشرة
قلتلك ما تدخليش.
اتجمدت.
الصوت كان صوت أمي اتجمدت في مكاني.
الصوت ماكانش عالي لكنه كان واضح كأنه طالع من جوا صدري أنا مش من الحيطة.
رجعت خطوة لورا بسرعة، ووقعت على الأرض، والقطعة الحديد اللي عليها اسم أبويا طاحت من إيدي.
مين مين جوه؟ قلتها بصوت مخنوق.
مفيش رد.
لكن الفتحة اللي في الحيطة بدأت تتوسع لوحدها الطوب بيتهز كأنه بيتفك بإيد خفية.
ومع كل طوبة بتقع ريحة غريبة بدأت تطلع.
ريحة تراب قديم وشيء تاني شبه الحديد الصدئ.
رفعت الفلاش تاني وبصيت جوه.
وكان في ممر ضيق جدًا، مش غرفة ممر بين جدارين، كأنه متبني جوه البيت نفسه مش جزء منه.
وفي آخره
باب خشب صغير.
مقفول بسلسلة.
لكن السلسلة كانت متقطعة من نصها كأن حد حاول يفتحها من زمان.
وقبل ما أتحرك، الموبايل رن تالت مرة.
بس المرة دي ماكانش صوت أمي.
كان صوت كريم أخويا الصغير.
بس كريم دلوقتي عنده تلاتين سنة.
قال بصوت مهزوز
إياكِ تدخلي هناك بابا ماكانش بيقفلها عشان يخبي حاجة كان بيحبس حاجة.
سكت لحظة وبعدين كمل
وحاجة دي لسه عايشة.
قلبي وقع في رجلي.
قلت إنت عارف أنا فين؟!
رد بسرعة كأنه بيجري
البيت ماكانش بيتنا بس كان فيه حاجة قبله. وإحنا رجعناها لما رجعتي البيت.
وفجأة سمعت صوت خبط جوا الممر.
خبط بطيء منتظم كأن حد بيقوم من مكانه لأول مرة من سنين.
وباب الخشب في آخر الممر
بدأ يتحرك لوحده.
شبر شبر
والسلسلة المقطوعة وقعت على الأرض.
والصوت اللي جوا قال تاني، أقرب من أي وقت فات
دلوقتي افتحيه زي ما وعدتي نفسك.
وانتهى الاتصال.
وباب الممر اتفتح بالكامل ما قدرتش ألتفت فورًا.
جسمي كله كان متخشّب، كأن الصوت مسكني من جوا مش من ورايا.
ماما؟ قلتها بصوت مكسور.
الصمت كان الرد.
وبعدين نفس الصوت تاني، بس أقرب، وأهدى
اقفلي الدفتر واطلعي من هنا دلوقتي.
لفّيت ببطء شديد.
مفيش حد.
الممر فاضي.
بس الفلاش وقع على حاجة على الحيطة.
ظلّ.
ظلّ ست واقفة، كأنه ناتج عن نور مش موجود.
ومع كل ثانية الظل كان بيقرب مني خطوة خطوة، من غير ما يتحرك فعليًا.
رجعت لورا بسرعة، ووقعت الدفتر من إيدي.
وفي اللحظة دي
الدفتر
وكان فيها سطر واحد مكتوب بشكل مختلف، كأنه أقدم من باقي الكلام
هي مش أمك هي اللي كانت محبوسة مكانها.
قلبي اتخلع