قالي مثلي انك مراتي

لمحة نيوز

كانت أول مرة يسمع الصمت الحقيقي باب الأسانسير قفل بس جوّه صدري كان في حاجة بتتفتح لأول مرة.
مش وجع بس إدراك.
إني طول الوقت كنت واقفة في حياة حد مش شايفني أصلًا.
ركبت تاكسي من غير ما أحدد وجهة.
على فين يا أستاذ؟
سكت ثواني
وبعدين قلت بهدوء غريب
أي مكان بعيد.
الموبايل بيرن ورا بعضه.
عمر.
مرة اتنين عشرة.
بعدين رسالة
نور إنتي فين؟ الموضوع مش زي ما فهمتي.
ضحكت.
مش بس الرسالة اللي ضحكتني الجملة نفسها.
مش زي ما فهمتي.
كأن المشكلة في فهمي أنا، مش في اللي عمله هو.
قفلت الصوت تمامًا.
وفي نفس اللحظة
في قاعة الحفلة.
كان عمر واقف قدام الناس، البدلة مضبوطة، الابتسامة جاهزة.
والمذيع بيقول
نحتفل النهارده بخطوبة رجل الأعمال عمر الشناوي الآنسة سارة
الكلام اتقطع فجأة.
لأن الموبايل بتاع عمر رن.
مرة واحدة بس بس كانت كافية تخليه يغيّر وشه.
يحيى كان بيتصل.
عمر رد وهو بيبتسم قدام الناس
بعد إذنكم ثواني.
وبعدها خرج برّه القاعة بسرعة.
فيه إيه يا يحيى؟ أنا في نص الحدث.
صوت يحيى كان متوتر بشكل مش طبيعي
الليلة دي مش هتعدي عادي يا عمر نور مش بس مشيت.
عمر ضحك بسخرية
ماشي زعلانة شوية وبتعمل دراما. هترجع.
سكت يحيى ثانيتين
وبعدين قال الجملة اللي خلت عمر يقف مكانه
نور باعتت كل الأوراق.
إيه؟
عقود الشراكة صور إثباتات تحويلات كل حاجة.
الضحكة اختفت من وش عمر.
إنت بتقول إيه؟!
صوت يحيى نزل
اللي حصل إنك طلبت منها تختفي
هي اختارت تختفي بس من حياتك كلها مش من الحفلة بس.
وفي التاكسي
كنت ببص من الشباك على القاهرة وهي ماشية.
مش باكية
لكن للمرة الأولى
حاسّة إن كل شارع جاي ورايا مش بيطاردني أنا اللي سبته.
فجأة الموبايل نور برسالة جديدة.
رقم غريب.
فتحتها.
نور أنا أبوكي.
إيدي وقفت في الهوا.
والتاكسي كمل طريقه
بس حياتي
كانت بتلف ناحية تانية خالص بصيت
للشاشة كأني بقرا حاجة مش مفهومة.
أنا أبوكي.
الكلمة كانت بسيطة بس وقعها كان تقيل بشكل يخوف.
أنا طول حياتي فاكرة إن أبويا مات من زمان.
أو على الأقل ده اللي أمي كانت بتقوله.
إيدي بردت.
والتاكسي ماشي عادي جدًا، كأن مفيش حاجة اتكسرت جوايا دلوقتي.
كتبت
إنت مين؟
ثواني ورد
مش وقت شرح في التليفون. أنا مستنيكي في مكان آمن. لازم نتقابل.
قلبت بصري في كل الاتجاهات.
آمن؟
أنا لسه طالعة من حياة كانت هي نفسها فخ وداخل على إيه دلوقتي؟
قبل ما أرد
رسالة تانية وصلت.
من رقم عمر.
نور ارجعي دلوقتي، في غلط كبير حصل. الموضوع مش خطوبة بس. في حد لعب بينا.
ضحكت ضحكة قصيرة جدًا بس المرة دي فيها مرارة.
غلط كبير؟
هو فاكر إيه بالظبط؟
إنه يطلب مني أختفي وبعدها يكتشف إن اختفائي له تمن؟
التاكسي وقف فجأة.
وصلنا يا فندم.
بصيت قدامي المكان كان شارع هادي، فيه مبنى قديم باين عليه إنه مش عادي، بس شكله مش مطمّن.
رجعت بصيت للموبايل.
رسالة أبويا
انزلي أنا شايفك.
رفعت عيني ببطء.
لقيت عربية سودا واقفة قدام المبنى.
والباب اللي ورا فتح.
راجل نازل.
واقف مستنيني.
بس المفاجأة مش في شكله
المفاجأة في حاجة واحدة بس
الراجل ده
كان شبهّي.
نفس العينين.
نفس ملامح الصمت اللي أنا ورثته من غير ما أعرف منين.
في نفس اللحظة
موبايل عمر رن تاني.
لكن المرة دي
يحيى اللي رد عليه بصوت ميت
عمر إحنا اتلعب علينا الاتنين.
نور مش بس مشيت دي اتسحبت لحاجة أكبر منك بكتير.
عمر وقف في نص القاعة.
والناس لسه بتصفق لخطبته اللي باظت من غير ما يفهموا ليه.
لكن هو كان سامع حاجة تانية جواه
حس غريب أول مرة ييجي له
إنه مش المسيطر على القصة دي.
في الشارع الهادي
الرجل قال بصوت منخفض
أمك كانت فاكرة إنها هتخبي الحقيقة طول عمرها بس الحقيقة بتعرف طريقها.
خطوت خطوة لورا.
مش عارفة أصدق.
ولا أهرب.

ولا أختار أسمع.
كل اللي كنت متأكدة منه لحظة واحدة بس
إن حياتي اللي فاتت كانت مجرد بداية
واللي جاي مش مجرد رد اعتبار.
ده كشف حساب كبير جدًا وقفت مكاني قدام العربية، ومش عارفة حتى أقرر أهرب ولا أقرب.
الراجل اللي شبهّي اتكلم تاني، بصوت أهدى
مش هأذيكي أنا جيت عشان أحميكي، مش أكتر.
ضحكت بسخرية خفيفة
تحميني من إيه؟ من عمر؟ ولا من نفسي؟
هز راسه ببطء.
من اللي عمر كان بيشتغل لصالحهم من البداية.
الكلمة وقعت جوايا زي حجر في مية ساكنة.
بيشتغل لصالح مين؟
سكت لحظة وبعدين قال
الناس اللي بيبنوا صفقاتهم على تدمير العلاقات قبل الشركات.
بصيت له، ومش قادرة أستوعب.
كل اللي شوفته في حياتي كان بسيط حب، علاقة، خذلان.
لكن هو بيتكلم كأن في لعبة أكبر بكتير بتتعمل ورا الستارة.
اتقدم خطوة
اسمك الحقيقي نور؟
هزيت راسي
أيوه.
ابتسم ابتسامة صغيرة، حزينة
يبقى لسه ما تعرفيش اسمك التاني.
في اللحظة دي
موبايل التاكسي رن فجأة.
السواق بص ورا وهو متوتر
في حد بيطلبك من رقم مجهول.
قبل ما أرد
الرنين وقف.
وبداله رسالة صوتية وصلت من رقم عمر.
فتحتها.
صوته كان متكسر لأول مرة
نور ما تروحيش معاه. ده مش أبوكي الحقيقي ده بيستخدمك.
بصيت قدامي.
وبصيت للراجل اللي شبهّي.
وبصيت للموبايل.
كل حاجة بتقول عكس التانية.
الرجل اتكلم بهدوء
هو خايف عشان لو عرفتي الحقيقة، عمر كله هيقع.
بلعت ريقي
حقيقة إيه؟
سكت لحظة أطول من اللازم.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل اللي قبلها
إنتي مش بس كنتي في حياة عمر
إنتي الورقة الوحيدة اللي بتثبت إنه مش صاحب الشركة هو مجرد واجهة.
اتجمدت.
إيه علاقة ده بيا؟
قرب أكتر، وصوته نزل
إنتي الوريثة الحقيقية.
في نفس اللحظة
في قاعة الحفلة
عمر كان واقف في النص، والموسيقى وقفت فجأة.
الموبايل وقع من إيده.
لأنه شاف رسالة جاية من رقم قديم جدًا رقم
مفروض مايرجعش يرن تاني.
رسالة واحدة بس
الليلة انتهت.
والبداية رجعت.
عمر رفع عينه ببطء
ولأول مرة في حياته
ابتدى يفهم إن اللي لعبه على نور
مش هو اللي كسبه الشارع قدامي سكت فجأة كأن العالم كله بيحبس أنفاسه.
بصيت

للراجل اللي قال إني الوريثة، وبصيت للموبايل اللي في إيدي بيرن برقم عمر، وبصيت لرسالة الصوت اللي لسه شغالة في الخلفية.
كل حاجة بقت فوق بعضها ومفيش حاجة راكبة على التانية.
بلعت ريقي
لو أنا الوريثة يبقى إنت عايز مني إيه؟
ابتسم ابتسامة قصيرة
عايزك تختاري.
أختار إيه؟
قرب خطوة
يا ترجعي حقك يا تكملي حياة اتبنت عشان تستخدميك وتترمي لما تخلص.
في اللحظة دي الموبايل رن تاني.
عمر.
المرة دي ردّيت.
صوته كان مختلف مكسور تمامًا
نور أنا غلطت. بس مش زي ما إنتي فاكرة. أنا كنت مضطر كانوا بيهددوني.
سكت لحظة وبعدين كمل بسرعة
أنا عمري ما كنت عايز أسيبك ولا أعمل اللي حصل بس لو عرفوا إنك موجودة، هتتدمري.
ضحكت بس الضحكة دي كانت باردة
أنا اتهدّمت خلاص يا عمر بس على إيدك إنت الأول.
صوته ارتجف
ارجعيلي وأنا هشرح كل حاجة.
قفل الخط قبل ما أرد.
مش عشان مش عايزة أسمعه
لكن لأن القرار كان اتاخد جوايا.
بصيت للراجل
لو جيت معاك إيه اللي هيحصل؟
قال بهدوء
هتعرفي الحقيقة كاملة وهتاخدي مكانك بس مش كل الناس هتسامحك على ده.
سكت.
وبعدين سألت السؤال اللي كان لازم يتسأل من البداية
وعمر؟
سكت لحظة أطول
وبعدين قال
هيكون أول واحد هيتحاسب.
قفلت عيني.
مش خوف
لكن لأن الصورة كلها اكتملت فجأة.
حب كان كدبة حياة كانت صفقة وأنا كنت الورقة اللي محدش حسب حساب إنها تفوق.
فتحت عيني.
وخدت خطوة لقدام.
تمام خلينا نعرف الحقيقة.
العربية السودا اتفتحت
وقبل ما أركب، بصيت ورايا مرة أخيرة.
القاهرة كانت زي ما هي شغالة، صاخبة، عادية
بس أنا لأ.
ركبت.
والباب اتقفل.

وفي نفس اللحظة
عمر وقف قدام مبنى شركته، بيبص للرسالة القديمة في إيده.
رسالة من أمه ماتت من سنين
كانت كاتبة فيها
لو رجعت نور كل حاجة هتتغير.
رفع عينه
ولأول مرة
ماكانش عارف هو خايف عليها
ولا من الحقيقة اللي هي خلاص ماشية ناحيتها.

تم نسخ الرابط