يوم فرحي
قفل المكالمة وبصلي لأول مرة بنظرة جدية جدًا: "رامي مش لوحده يا إيمي… وإحنا كنا مستنين اللحظة دي من سنين."
سكتت.
هو كمل: "بس الغريب… إنهم دلوقتي قرروا يبدؤوا من عندك إنتي."
قلبي وقع: "يعني إيه من عندي أنا؟ أنا مالي؟"
أبويا اتنهد: "لأنك كنتي النقطة الوحيدة اللي ممكن تضربني أنا بيها."
العربية سرعت فجأة…
وأنا حسيت لأول مرة إن الفرح اللي اتلغى ده… كان مجرد غطاء لحاجة أخطر بكتير.
وفجأة… العربية خدت منعطف حاد…
وأبويا صرخ للسواق: "متكملش الطريق ده!"
بس كان متأخر…
نور عربيتين سودا كانوا قافلين الطريق قدامنا…العربيتين السود واقفين في نص الطريق كأنهم اتزرعوا فيه.
السواق داس فرامل فجأة… العربية وقفت على بعد خطوات.
أنا مسكت في كرسيي: "إيه ده؟!"
أبويا بص قدامه ببرود مرعب: "زي ما توقعت… أسرع من اللي كنت حاسب."
الأبواب في العربيتين اللي قدام اتفتحت ببطء.
نزل منها رجالة لابسين أسود، ملامحهم مش باينة كويس في النور الخافت.
واحد منهم رفع إيده بإشارة: "الحاج رفعت… نرجو النزول بهدوء."
أنا قلبي وقع: "بابا… دول مين؟"
أبويا ما ردش عليا، بس قال للسواق: "اقفل العربية."
السواق ارتبك: "يا حاج… إحنا محاصرين."
أبويا بص له: "اقفل."
وبالفعل… اتقفلت.
الراجل اللي قدام قرب خطوة وقال: "إحنا مش جايين نأذي حد… بس البنت لازم تيجي معانا."
بصيت لأبويا: "أنا؟!"
أبويا لأول مرة وشه يتغير… مش خوف… لكن غضب مكبوت: "
قام فتح الباب بهدوء ونزل.
أنا صرخت: "بابا متنزلش!"
بس هو كان خلاص نزل.
وقف قدامهم وقال بصوت ثابت: "لو جايين لها… يبقى أنتم متأخرين."
الراجل ضحك ضحكة قصيرة: "هي المفتاح… وإنت عارف ده كويس."
ساعتها… أبويا لف وبصلي من بره العربية.
نظرة عمرها ما كانت كده قبل كده.
وقال جملة خلت دمي يتجمد:
"إيمي… لو حصل لي حاجة، متثقيش في أي حد غير الورقة اللي في شنطتك."
أنا بصيت بسرعة: "ورقة إيه؟!"
بس قبل ما يرد…
الراجلين قربوا منه.
وواحد فيهم قال: "خلصنا وقت الكلام."
وفي اللحظة دي…
أبويا رفع إيده وقال: "استنوا… أنا رايح برجليا."
وسابني جوا العربية… مش فاهمة إيه اللي بيحصل…
بس اللي كنت متأكدة منه لحظة واحدة بس…
إن حياتي كلها اتقلبت من فرح اتلغى… لعملية أكبر بكتير من أي خيال.العربيات وقفت فجأة حوالين العربية كأننا في فخ متقفل بإحكام.
أنا جوه العربية، إيدي بتترعش، وبحاول أفتح الباب… مقفول من برّه.
بصيت من الشباك.
لقيت أبويا واقف بينهم، هادي بشكل يخوف أكتر من الصراخ.
الراجل اللي قدام قال: "إحنا مش عايزين مشاكل يا حاج رفعت… سلمها وخلصنا."
أبويا رد بصوت ثابت: "لو كنت عايزها، كنت جيتلي من بدري… مش في نص طريق مقطوع."
سكت لحظة، وبعدين كمل: "بس واضح إنكم مستعجلين… يبقى في حاجة اتفتحت مش على مزاجكم."
الراجل شد نفسه: "إنت فاهم غلط… الموضوع مش ليك دلوقتي."
وفجأة… واحد من ورا
قلبي وقع في رجلي.
"بابا!!!" صرخت من جوه العربية.
أبويا ما لفش ناحيتي حتى.
بس قال كلمة واحدة: "ما تقربوش."
وفي اللحظة دي… حصل حاجة غريبة.
نور الكشافات اللي على الطريق كلها طفت مرة واحدة.
ظلام كامل.
صوت خطوات بس…
وصوت خبط سريع على زجاج العربية عندي.
اتجمدت.
وبعدين سمعت صوت همس من ورا الباب:
"إيمي… افتحي… أنا معايا الورقة."
صوت راجل… بس مش أبويا.
قلبي اتلخبط: "إنت مين؟!"
رد: "اللي أبوكي قالك تثقي فيه."
إيدي راحت للباب… وبترعش.
وفي نفس اللحظة… سمعت صوت خفيف برّه… زي حد وقع.
سكون.
بعدها صوت أبويا… ضعيف شوية لأول مرة: "متفتحيش."
اتجمدت.
صوت الهمس اتغير فجأة: "افتحي يا إيمي… الوقت بيخلص."
وفي ثانية واحدة…
العربية اتخبطت من الجنب خبطة جامدة خلتني أصرخ.
والباب اللي قدامي بدأ يتحرك كأنه حد بيحاول يفتحه بالقوة.
أنا وسط الظلام ده… مش عارفة أسمع أبويا… ولا أصدق الصوت اللي بيناديني…
بس اللي كنت متأكدة منه…
إن الورقة اللي في شنطتي… مش مجرد ورقة.
دي كانت بداية كل اللي بيحصل.الخبط على الباب زاد… والصوت بقى أقرب.
أنا ماسكة في الشنطة بإيدي الاتنين، كأنها آخر حاجة في الدنيا.
وفجأة… صوت أبويا قطع كل حاجة:
"إيمي… افتحي الشنطة."
سكتت لحظة: "دلوقتي؟!"
"افتحيها."
بإيد مرتعشة فتحت الشنطة… وطلعت الورقة.
ورقة قديمة… متسجلة بخط إيد أبويا.
بس أول ما بصيت فيها…
قلبي وقع.
كانت مش ورقة عادية…
وفي آخر الورقة مكتوب بخط واضح:
"أي محاولة لتهديد رفعت عبدالعزيز أو عائلته = تفعيل الخطة الاحتياطية."
رفعت عيني في اللحظة دي…
لقيت أبويا واقف قدام العربيات، والرجالة اللي ماسكين السلاح فجأة واقفين في مكانهم… كأنهم استلموا إشارة.
واحد فيهم قال: "اتأمرنا ننسحب."
أنا مش فاهمة: "إيه اللي بيحصل؟!"
أبويا لف ناحيتي أخيرًا… ووشه هادي بشكل مخيف: "انتي كنتي الطُعم."
اتصدمت: "طُعم؟!"
هز راسه: "أنا ما كنتش بحميك من رامي… أنا كنت بحميك منهم هما."
سكت لحظة، وبعدين كمل: "ورامي… كان مجرد بداية بس."
العربيات بدأت ترجع لورا واحدة واحدة وتختفي في الظلام.
والراجل اللي كان واقف قدامنا انحنى وقال: "تم التنفيذ… يا باشا."
وقبل ما أفهم الجملة…
لف وركب عربيته واختفى.
سكون تام.
أنا نزلت من العربية برجليا الضعيفة: "يعني إيه كل ده؟!"
أبويا قرب مني وحط إيده على كتفي: "يعني إن حياتك اللي فاتت خلصت النهارده يا إيمي…"
سكت.
وبصلي نظرة أخيرة فيها حنان وخوف مع بعض: "ومن بكرة… هتبدئي حياة ما ينفعش فيها اسمك القديم يتقال تاني."
وبهدوء… فتح باب عربية تانية كانت واقفة في الضلمة وقال: "يلا… لازم نمشي قبل ما حد تاني يقرر يبدأ اللعبة من جديد."
وإحنا بنمشي في الطريق المظلم… أنا كنت فاهمة حاجة
إن الفرح اللي اتلغى… ما كانش النهاية.
كان أول صفحة في قصة أكبر بكتير من أي حب… أو أي خيانة… أو أي انتقام.