لمده ثماني سنوات بقلم نور محمد
لمدة ثمانية عشر عامًا… لم يلمسني أرفيند.
لم يقترب. لم يحتضنني. حتى نظرة دافئة لم يمنحني إياها.
كان بيننا دائمًا شيء واحد ثابت… وسادة بيضاء موضوعة في منتصف السرير، كأنها حدّ فاصل بين عالمين لا يلتقيان.
وأنا… نينا ديشموخ، كنت أظن أنني أعرف السبب.
كنت أظن أنني أفهم.
في بداية زواجنا، كان كل شيء طبيعيًا. هدوء، احترام، حياة بسيطة في مومباي لا تحمل الكثير من الوعود ولا الكثير من الأسئلة.
أرفيند كان رجلاً عمليًا. قليل الكلام. دقيق في كل شيء. حتى مشاعره… كانت تبدو مرتبة مثل أوراقه في المكتب.
ثم في ليلة واحدة… تغير كل شيء.
ليلة لا أتذكر منها سوى تفاصيل صغيرة متكسرة: صوت باب يُغلق أكثر من مرة. نظرة طويلة لم أفهم معناها. وصمت ثقيل في الصباح التالي، كأن البيت نفسه فقد صوته.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح بيننا هذا “الحد الأبيض”.
لم يسألني أحد. ولم أسأل أنا أيضًا بما يكفي.
كنت فقط أعيش… وأتعلم كيف أكون موجودة دون أن أُلمس.
أطبخ له.
لكن الغريب…
أنه لم يتركني أبدًا.
لم يطلقني. لم يرحل. لم يرفع صوته مرة واحدة.
كان حاضرًا دائمًا… لكن كجدار.
وأنا، مع الوقت، بدأت أصدق أن هذا هو عقابي.
حتى جاء يوم التقاعد…
اليوم الذي ذهبنا فيه إلى العيادة الحكومية دون أن أعلم أن شيئًا قديمًا جدًا… كان ينتظرنا هناك.العيادة كانت مزدحمة بشكل خانق.
رائحة مطهرات، وأصوات أسماء تُنادى بلا اكتراث، ووجوه متعبة لرجال أنهكهم العمر قبل الجسد.
أرفيند جلس بجانبي دون أن ينظر إليّ. كالعادة.
لكن هذه المرة… كان مختلفًا.
كان يمسك ملفه الطبي بإحكام غير معتاد، كأن الورق نفسه قد ينفلت منه ويكشف شيئًا لا يريد له أن يظهر.
نُودي اسمه أخيرًا.
وقف بهدوء. وتبعته.
في الممر المؤدي لغرفة الطبيب، سمعت خطواته أبطأ من المعتاد… مترددة، كأن الأرض لم تعد مألوفة له.
دخلنا.
الطبيب كان شابًا في الثلاثينيات تقريبًا،
فتح الملف.
مرّ على الصفحات بسرعة في البداية، ثم توقف.
طالت نظراته لسطر واحد.
ثم رفع عينيه.
وقال: "في خطأ في الملف القديم… أو معلومة ناقصة."
تجمد الهواء.
أرفيند لم يتحرك.
سألت بصوت منخفض: "إيه الخطأ؟"
الطبيب تردد لحظة، ثم قال: "في توقيع مرفق هنا… مكتوب إنه تم إدراج حالة خاصة بعد حادث قديم… لكن لا يوجد أي تقرير طبي داعم في النظام."
ثم أخرج ورقة صفراء قديمة من داخل الملف.
كانت مهترئة. كأنها لم تُفتح منذ سنوات.
وضعها أمامنا.
نظر إليها أرفيند… وفجأة شدّ يده على طرف الكرسي.
لم أرَ هذا التوتر عليه من قبل.
همس الطبيب: "الورقة دي مش مفروض تكون موجودة في ملف التقاعد… دي تخص قرار إداري قديم جدًا… متعلق بحماية سرّيّة."
كلمة “سرّيّة” سقطت في الغرفة مثل حجر.
التفتُ إلى أرفيند.
لأول مرة… لم يكن باردًا.
كان خائفًا.
لكن ليس خوفًا عاديًا…
بل خوف شخص يحمل شيئًا أثقل من أن يُقال.
اقترب الطبيب قليلًا وقال بهدوء: "السؤال المهم… مين اللي حط الورقة دي في ملفكم؟ وليه اتأخرت 18 سنة؟"
صمت.
ثم…
سقطت الورقة من يد الطبيب على الأرض.
وعندما انحنى ليلتقطها، لمحنا شيئًا مكتوبًا في آخر سطر بخط صغير جدًا:
"لا يُكشف لصاحب الملف إلا بعد التقاعد الكامل."
رفعت رأسي ببطء نحو أرفيند.
كان يحدق في الفراغ.
ثم قال بصوت لم أسمعه منه من قبل:
"يبقى الوقت جه."
وفي تلك اللحظة… أدركت أن الثمانية عشر عامًا الماضية لم تكن حياة عادية.
بل كانت انتظارًا لشيء… لم يبدأ بعد.الغرفة سكنت تمامًا بعد كلمته.
"يبقى الوقت جه."
لم يسأل الطبيب. لم يعترض. كأنه كان يتوقع هذا الجواب منذ البداية.
لكنني… لم أفهم.
اقتربت خطوة من أرفيند، وصوتي كان يرتجف: "وقت إيه؟ وإيه الورقة دي؟ وإيه اللي أنا مش عارفاه من سنين؟"
أرفيند لم ينظر لي.
كان يحدق في الورقة الصفراء التي على الطاولة، وكأنها ليست ورقة… بل باب مفتوح على شيء قديم جدًا.
ثم قال بهدوء
تجمدت.