ابني عمل حادثة بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

ابنى عمل حادثة زمان خلت حياته تتغير تمامًا…
حادثة بسيطة في شكلها، لكن خطيرة في أثرها، خلت فكرة الأبوة عنده شبه مستحيلة.
ومحدش كان يعرف الحقيقة دي غيري أنا… أمه.
كان ياسين من بره شاب ناجح، هادي، محترم، لكن من جوه كان في خوف ساكن فيه… خوف من الجواز، من الارتباط، من إنه يومًا ما يكتشف إنه “مش كامل” قدام زوجته.
كان دايمًا يهرب من أي خطوة جدية، وكل ما حد يفتح سيرة الجواز، يضحك ويغير الموضوع.
بس أنا… كنت شايفة.
شايفة إن ابني بيضيع في صمته.
وفي يوم، قررت القرار اللي غير كل حاجة.
قلت لنفسي:
“لازم أجيب له ست… من غير ماضي، من غير عيلة، من غير حد يوجع دماغه أو يحكم عليه.”
وفي دماغي بدأت فكرة غلط… فكرة كنت فاكرة إنها “حل”.
“نجيب بنت من ملجأ… تتربى هنا، وتبقى لينا، وتقبل بيه زي ما هو… من غير ما حد يعايره، ولا يعرف سرّه.”
اتكلمت مع ياسين.
في الأول رفض…
لكن مع الضغط، ومع خوفه، ومع صمته الطويل… وافق.
مش لأنه مقتنع…
لكن لأنه تعبان.
وفي يوم، روحنا الملجأ.
دخلنا كأننا داخلين نختار حاجة مش شخص…
كأننا بندور على “حل” مش إنسانة.
وقفت أنا قدام باب الملجأ، بعدلت طرحة كأنها درع،

وبصيت حواليا بثقة الست اللي متعودة تاخد اللي عايزاه.
وياسين كان جنبي…
هادئ زيادة عن اللزوم، عينه باردة، كأنه داخل تجربة مش حياة.
دخلنا مكتب المديرة.
كنت بتكلم وأنا بفرز البنات بعيني، واحدة واحدة…
لحد ما وقعت عيني على بنت قاعدة لوحدها.
“نور”.
هادية… أهدى من المكان كله.
مش باين عليها حاجة غير إنها متعودة تكون لوحدها.
سألت عنها.
المديرة قالت: “دي نور… ملهاش حد، لا أهل ولا أقارب.”
ساعتها حسيت إن دي “الفرصة”.
قلت في نفسي:
“دي مناسبة… مفيش حد يسأل عليها، ولا يرجع يفتح ملف.”
وياسين بص لها، وقال بهدوء: “هي دي.”
من غير تفكير.
ومن غير قلب.
اتفقنا.
وتمت الإجراءات بسرعة، وكأننا بنقفل صفقة.
المديرة كانت فرحانة، مش مدركة إن البنت اللي بتسلمها مش داخلة حياة جديدة…
دي داخلة لعبة مش متوازنة.
وفي خلال أسابيع، نور خرجت من الملجأ.
دخلت بيتنا.
بيت كبير، شكله فخم…
بس جواه حاجات كتير متكسرة.
كنت فاكرة إنها هتكون هادية، مطيعة، وتعيش في الظل.
لكن اللي ماحسبتوش حسابه…
إن نور مش فارغة زي ما تخيلت.
كانت بتشوف، وبتفهم، وبتسكت…
لكن ما كانتش بتنسى.
مرت الأيام…
والبيت بدأ يتغير.
مش بشكل
صريح…
لكن بشكل يخوف.
نور بدأت تلاحظ كل حاجة: نظرات ياسين، توتره، صمته الطويل، وطريقتي في التحكم في كل تفصيلة.
وياسين نفسه…
بدأ يتعامل معاها بشكل مختلف.
مش لأنه بيحب…
لكن لأنه بيحس إنه قدام حد مش بيحكم عليه.
أما أنا…
فكنت شايفة إن الخطة بتخرج عن السيطرة.
البنت اللي دخلت البيت “باسم الستر”…
بدأت تبقى مرآة لحاجات إحنا كنا مداريينها.
وفي يوم…
نور سألت سؤال بسيط:
“أنا جيت هنا ليه بالظبط؟”
سؤال عادي…
لكن وقع على البيت كله زي حجر.
وياسين ما ردش.
وأنا لأول مرة…
ما لقيتش إجابة سهلة أقولها.
ومن اللحظة دي…
البيت ما بقاش زي الأول.
لأن الحقيقة لما تبدأ تسأل…
مفيش حد يقدر يسكتها بسهولة.بعد سؤال نور… البيت ما بقاش ساكت زي الأول، بقى “مترقب”.
الهدوء اللي كان مالي المكان قبل كده اتحول لحالة شدّ أعصاب غريبة… كأن كل واحد فيهم مستني اللي هيقول كلمة غلط تفتح باب ما يتقفلش.
نور نفسها اتغيرت من غير ما تعمل حاجة واضحة.
بقت تراقب أكتر…
مش بتسأل تاني، لكن بتلاحظ.
لاحظت إن في حاجات مش بتتقال في البيت ده…
نظرات بتتبدل بسرعة لما تدخل، كلام بيتقص في نصه، ومواضيع بتتقفل فجأة لما تقرب.

وياسين…
كان كل يوم بيبقى أبعد من يوم.
مش جسديًا…
لكن ذهنيًا.
كأنه عايش في مكان تاني.
في ليلة هادية، كنت قاعدة في الصالة، لما سمعت صوت باب المكتب بيتفتح.
نور.
كانت ماسكة ورقة.
وشها مش مرعوب… لكن متصلب.
وقالت بهدوء: “الورق ده كان في درج المكتب… عليه اسم ياسين.”
قلبي وقع.
بصيت لها، وبصيت للورق.
ياسين ظهر من وراها فجأة.
وسكت.
السكوت ده كان أخطر من أي رد.
نور رفعت عينيها ليه وقالت: “أنا مش فاهمة حاجة، بس واضح إن في جزء من حياتكم مش بيتقال.”
هنا لأول مرة… ياسين اتكلم.
بس صوته كان مختلف: “مش كل حاجة لازم تتفهم.”
نور ردت بسرعة: “بس أنا داخلة البيت ده عشان أعيش… مش عشان أكون في نص قصة مش عارفاها.”
الكلمة دي قلبت الجو.
أنا حاولت أسيطر: “كفاية أسئلة.”
لكن نور بصت لي للمرة الأولى بنظرة ثابتة وقالت: “أنا مش بس ساكنة هنا… أنا بقيت جزء منه، ومن حقي أفهم.”
سكتنا كلنا.
وفي اللحظة دي، ياسين خد نفس عميق، وقال جملة ما توقعتهاش: “الحادثة اللي حصلتلي زمان… مش زي ما اتقال.”
الصمت وقع.
نور ما اتفاجئتش… بس بدأت تركز.
وهو كمل: “في تفاصيل محدش يعرفها… وأنا عمري ما كنت مستعد أتكلم
عنها.”
هنا لأول مرة… حسيت إن الخيط اللي كنت ماسكاه بدأ يفلت.
لأن نور ما بقتش مجرد بنت جبتها “تتستر وتسكت”.

تم نسخ الرابط