امضت امي ثماني سنوات

لمحة نيوز

شعرت بالغضب يشتعل داخلي فجأة، فقلت بسرعة:
نحن دفنّاك يا مصعب. أمي مرضت، وأنا تركت دراستي فترة لأنني لم أستطع حتى النهوض من السرير… وأنت؟ أين كنت؟ كنت تعيش حياتك.. وجثة من التي قمنا بدفنها؟

جلس على حافة السرير وحدّق في الأرض، ثم قال:
"الجثة كانت لرجل يعمل مع أبي."

لم أفهم فورًا… ثم بدأت الصورة تتضح، ومعها شعور بالغثيان.

سألته: "يعمل في ماذا؟"

رفع رأسه وقال:
"أبي لم يكن رجلًا عاديًا… كان حلقة وصل. ينقل أشياء… ويرتّب أمورًا ويخفي مشاكل أشخاص لا يريدون أن تتّسخ أيديهم."

ساد صمت ثقيل.

ثم قال:
"أدخلني معه… كنت أعمل لصالحه..  حتى رأيت شيئًا لم يكن يجب أن أراه."

اقتربت خطوة:
"ماذا رأيت؟"

تأخر قليلًا… ثم قال:
"لم يكن مجرد عمل… كانت تصفية."

تجمّدت.
"ماذا تقصد؟"

قال بهدوء أثقل:
"رجل مهم… شخص لا يُمكن الاقتراب منه… ورأيت كل شيء."

شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي.
"وأبي؟"

تنفّس ببطء، ثم قال:
"أبي… كان

يعلم."

تجمّدتُ:
"كيف؟"

نظر إليّ بثبات، وقال:
"لأن هذا النوع من الأمور…لن يتم من دون أن يعلم"

سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أخفض:
"لم يأمر بقتلي صراحة… لكن الأمر كان صادرًا من جهةٍ فوقه…"

ابتلع ريقه، ثم أكمل:
"وكان يستطيع أن يحاول إيقافه… لكنه لم يفعل."

ارتجف صوتي:
"لماذا؟"

أخفض عينيه قليلًا، وقال:
"لأنه خاف واختار أن يحمي نفسه… لا أنا."

شعرتُ بأن الأرض تميد بي.

أكمل بصوتٍ منخفض:
"كنت أعلم أن والدي أناني… ولن يحاول حمايتي. لذلك احتفظتُ بنسخ من أشياء كثيرة… أسماء، حسابات… تحسّبًا لأي شيء."

سكت لحظة، ثم تابع:

وعندما شعرت بالخطر… قفزت من السيارة قبل الحادث. قفزت قبل الاصطدام بثوانٍ في طريق مظلم… ولم ينتبه أحد.


ابتلع ريقه، وأضاف:
"وتركتهم يظنون أنني مت."

أغمضتُ عيني للحظة.

"ولماذا لم تبحث عنا؟"

قال بصوتٍ خافت:

"لأن أبي تأكّد أنني ميت… وأراد أن أبقى كذلك. لو اقتربتُ… كنتم ستدفعون الثمن.

ولو عرف

أنني حي… لن يتردد في تسليمي لهم لينجو بنفسه.

ارتجف صوتي:
"كنّا تحت المراقبة؟"

"دائمًا…"

ساد صمت ثقيل بيننا.

ثم سألته:
"لماذا الآن؟"

نظر نحو النافذة، وقال بهدوء:
"لأن كل شيء تغيّر."

ثم أخرج ظرفًا أصفر، ومدّه إليّ.

"أبي لم يعد يعمل معهم… بل بدأ يعمل مع منافسيهم.
والآن يريدون التخلص منه وهو يحاول الهروب."

"وعندما يخونهم شخص مثله لا يتركون وراءهم شهودًا… ولا يكتفون به وحده، بل يتخلّصون من كل من يخصّه.

أمي في خطر وأنت التالي إن لم نتحرك الآن.. الجميع يعلم إنني 

"أمي في خطر… وأنت التالي إن لم نتحرك الآن.
الجميع يظن أنني ميت… وهذا في صالحنا."

سكتُّ لحظة، وأنا أنظر إلى الظرف في يده، ثم سألته بصوتٍ منخفض:
"وماذا سنفعل؟"

لم يجب فورًا…
مدّ يده ببطء إلى درجٍ صغير بجانبه، فتحه وكأنه يشتري وقتًا، ثم أخرج حقيبة سوداء متوسطة ووضعها أمامي على الطاولة.

فتحها بهدوء.

في الداخل… كانت جوازات سفر.

تجمّدتُ

في مكاني.

ثلاثة جوازات…
بأسماء مختلفة…
وصورنا نحن.

إلى جانبها رُزم من النقود، وبطاقات، وأوراق مطبوعة بعناية.

قال دون أن ينظر إليّ:
"كنت أعرف أن هذا اليوم سيأتي… لذلك جهّزت كل شيء."

اقتربتُ خطوة، وقلبي ينبض بعنف:
"منذ متى؟"

أغلق الحقيبة ببطء… ثم قال:
"منذ أن قررت أن أبقى حيًا."

سكت لحظة… ثم رفع عينيه نحوي، وأضاف بحسم:
"لا يوجد وقت… سنأخذ أمي ونغادر الليلة."

ابتلعتُ ريقي، ونظرت إليه:

"وأبي؟"

أشاح بوجهه قليلًا… كأن السؤال أثقل مما توقّع، ثم قال:

"أبي اختار طريقه ونحن لا نستطيع إنقاذه."

ساد صمت قصير… ثقيل.

كنت أريد أن أعترض… أن أقول إنّه لا يزال أبانا…
لكن كل شيء بدا واضحًا بطريقة مؤلمة.

أمي أولًا. دائمًا.

سألته:

"إلى أين؟"

أجاب ببساطة:

"مكان لا يعرفنا فيه أحد… ولا يستطيع الوصول إلينا."

حملتُ الحقيبة بين يدي… شعرت بثقلها… ليس بسبب ما فيها… بل بسبب ما تعنيه.

جوازات جديدة… أسماء جديدة…

حياة جديدة.

وقفتُ عند الباب… ثم التفتُّ إليه:

"هل سنعود يومًا؟"

تأخر في الإجابة… ثم قال بهدوء:

"إذا انتهى كل شيء."

فتحتُ الباب وخرجت.

وفي تلك اللحظة… أدركت أنني لا أغادر ذلك المنزل فقط…
بل أغادر اسمي… ماضيّ… وكل ما كنت أعرفه.

"لم أكن أعرف إلى أين سنذهب…

لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط…

أن هذه المرة… لن ندفن أحدًا…

سنغادر كل ما عرفناه… ونعيش حياة أخرى.

تم نسخ الرابط