تحت المطر الغزير بقلم زيزي

لمحة نيوز

تحت المطر الغزير، هي كشفت سر خطير قلب إمبراطورية مبنية على الكذب رأسًا على عقب.
إليز كانت ماشية ببطء تحت مطر ساقع، كأن كل نقطة مية بتأكد لها حاجة كانت رافضة تصدقها. جزمتها المبلولة كانت لازقة في الأرض، بس هي موقفتش. في إيدها ظرف تقيل كأنه شايل قلبها نفسه.
واجهات المباني الزجاجية كانت عاكسة صورتها المتعبة. عينيها حمرا، شعرها لازق في وشها، وكل حاجة فيها بتقول إنها ما نامتش طول الليل. ومع كده، نظرتها كانت ثابتة، كأنها متحدية.
قدام برج شركة ديلكور للتمويل، شافت فيكتور المصري. كان واقف بثبات، أنيق في معطفه الغامق، كأنه عمره ما شك في نفسه. جنبه إنجي المصري كانت مبتسمة ابتسامة هادية، بس باين عليها إنها محسوبة.
إليز وقفت على بعد خطوات. بصّت للمشهد في صمت، كأنها بتتفرج على مسرحية عارفة نهايتها. فيكتور لاحظ وجودها وقطّب حاجبه شوية.
ماكانش لازم تيجي هنا، قالها وهو بيقرب، صوته متوتر. كان بيراقب حواليه كأنه خايف حد يشوفه. إنجي، بالعكس، كانت هادية تمامًا.
فيكتور قالي إن كل حاجة اتحلت، قالت إنجي بهدوء. الأفضل نتجنب أي تعقيدات مالهاش لازمة. نبرة صوتها كانت مهذبة، بس وراها ثقة مزعجة.
إليز حسّت بوخزة وجع، بس دفنتها بسرعة. خلاص مفيش وقت للوجع. سنين وهي بتبني الشركة دي في الخفاء، بتشتغل في الضل، وفيكتور هو اللي بياخد المجد كله.
افتكرت البدايات، الليالي اللي ماكنتش بتنتهي، المخاطر اللي خدوها مع بعض. لكن لما النجاح جه، فيكتور اتغير. بالتدريج، من غير ما حد ياخد باله، بدأ يبعدها لحد ما حاول يمسح وجودها تمامًا من الشركة إليز مسكت الظرف أقوى، كأنها بتتأكد إنه لسه في إيديها فعلًا مش مجرد كابوس. المطر كان بيزيد، لكن هي كانت واقفة

كأنها مش حاسة بأي حاجة.
فيكتور قرب منها خطوة تانية، صوته بقى أخفض
إليز لو ناوية تعملي اللي في دماغك، فإنتِ مش فاهمة إنتِ داخلة على إيه.
ابتسمت ابتسامة قصيرة، بس من غير أي فرح
أنا فاهمة أكتر مما إنت متخيل يا فيكتور.
فتحت الظرف فجأة.
ورقة بعد ورقة بدأت تقع في إيده عقود، تحويلات، توقيعات، وأختام رسمية.
إنجي بصّت بسرعة، ولأول مرة ملامحها اتكسرت
إيه ده؟!
فيكتور حاول يسيطر على نفسه، لكن عينه خانته للحظة.
دي دي مستندات قديمة، ملهاش قيمة.
إليز رفعت نظرها له، وهدوءها كان مرعب
قديمة؟ ولا إنت فاكر إنّي كنت بشتغل معاك سنين من غير ما أسجل كل حاجة؟
سكتت لحظة وبعدين ضربت الجملة اللي قلبت الجو كله
كل تحويل، كل توقيع مزوّر، كل مرة سحبت فيها فلوس الشركة لحسابك الشخصي متسجلين.
صمت.
حتى صوت المطر كأنه خف.
إنجي رجعت خطوة لورا
إنت كدبت عليّا؟!
فيكتور لفّ ناحيتها بسرعة
اسكتي! الموضوع مش كده!
لكن قبل ما يكمل، صوت تصفيق بارد جه من وراهم.
رجل أربعيني نازل من العربية، لابس بدلة رسمية، ووشه هادي بشكل مريب.
شغل ممتاز يا آنسة إليز فعلاً ما توقعتش إنك توصلي لكل ده لوحدك.
فيكتور اتجمد
مين حضرتك؟
الرجل ابتسم
أنا المستشار القانوني الجديد لمجلس إدارة ديلكور واللي جاي معاه قرار إيقافك فورًا عن إدارة الشركة.
في اللحظة دي، إليز فهمت حاجة أخطر من كل اللي فات
إن اللي كانت فاكرة إنه نهاية اللعبة كان في الحقيقة بداية سقوط كبير جدًا فيكتور حس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه لأول مرة.
إيقاف إيه؟ إنتوا بتتكلموا عن إيه؟ الشركة دي بتاعتي أنا! صوته علي فجأة، بس فيه رجفة واضحة.
المستشار القانوني رفع ملف أسود صغير بهدوء
كانت بتاعتك لحد ما التحقيق الداخلي
أثبت إن في تزوير ممنهج، واستغلال سلطة، وتحويل أصول باسمك الشخصي.
إنجي بصّت لفيكتور بصدمة كاملة، وبصوت مكسور
يعني كل اللي كنت بتقوله ليا كان كدب؟
فيكتور حاول يمسك إيديها، لكنها سحبتها بسرعة كأن لمسته بقت مؤذية.
إليز كانت واقفة، ساكتة لكن جواها كان كل حاجة بتنهار وتترتب في نفس اللحظة.
إنتِ اللي عملتي كده؟ فيكتور لف ناحيتها بعصبية.
هي ردت بهدوء مخيف
أنا بس سبتك تكمل لحد ما تغلط بنفسك.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
الفرق إنك كنت فاكر إن مفيش حد شايف لكن أنا كنت شايفة كل حاجة من الأول.
فيكتور ضحك ضحكة قصيرة مش مصدقة
إنتِ كنتي نايمة جنبي!
وأنا كمان كنت بوقع على مستندات إنت كنت فاكرها ثقة وهي كانت أدلة.
المستشار القانوني فتح باب العربية
فيكتور المصري مطلوب حضورك للتحقيق فورًا.
اتنين واقفين وراه نزلوا بهدوء.
في اللحظة دي، المطر زاد تاني، كأنه بيغسل المشهد من كل حاجة قديمة.
فيكتور بص حوالينه، كأنه لأول مرة مش لاقي مخرج.
وبص لإليز تحديدًا بصّة طويلة، مليانة غضب وخوف في نفس الوقت.
إنتِ دمّرتي كل حاجة
إليز ردت بهدوء
لا أنا بس رجّعت كل حاجة مكانها الحقيقي.
وإذ به يتحركوا يقتربوا منه
وإنجي واقفة مكانها، مش عارفة تختار تبكي ولا تكره ولا تصدق اللي حصل.
لكن قبل ما يطلع من مكانه، فيكتور همس بصوت منخفض جدًا لإليز
إنتِ فاكرة إن ده النهاية؟
إليز بصّت له، لأول مرة بدون رجفة
لأ دي البداية بس في اللحظة اللي قال فيها جملته، إنتِ فاكرة إن ده النهاية؟، واحد من رجال التحقيق مسك ذراعه.
لكن فيكتور شد نفسه فجأة، وبص للمستشار القانوني
إنتوا فاكرين إنكم كده كسبتوا؟ الشركة مش هتقع بالسهولة دي.
المستشار ما ردّش، بس فتح باب العربية أكتر
اتفضل
معانا يا أستاذ فيكتور الكلام ده في التحقيق.
إليز كانت واقفة، عينيها ثابتة عليه، مش بتتحرك.
لكن جواها، كان فيه حاجة غريبة مش انتصار كامل، ولا ارتياح إحساس إن في حاجة لسه مستخبية.
إنجي فجأة قالت بصوت منخفض، كأنها بتفكر بصوت عالي
إنت كنت بتستغل الكل حتى نفسك.
فيكتور بص لها، ومرة واحدة ملامحه اتكسرت
إنتِ مش فاهمة حاجة
لكنها ما سمعتش، كانت دموعها نزلت خلاص.
اتسحب فيكتور بالعافية ناحية العربية، والمطر غرق كل حاجة حواليهم.
وفجأة قبل ما يركب، بص لإليز تاني.
بس المرة دي، مش بغضب.
بابتسامة غريبة.
ابتسامة صغيرة جدًا لكنها كانت كفيلة تخلي قلبها يتجمد للحظة.
ركب العربية.
والمستشار قفل الباب.
العربية بدأت تتحرك ببطء.
إليز فضلت واقفة، عينها متابعة العربية وهي بتبعد، لكن عقلها وقف عند الابتسامة دي.
اقتربت إنجي منها فجأة
هو كان يقصد إيه؟
إليز ما ردّتش فورًا.
لكن بعد ثواني، قالت بصوت منخفض
في حاجة لسه ما اتكشفتش.
إنجي بصّت لها بقلق
يعني إيه؟ إحنا مش خلصنا؟
إليز رفعت عينيها ناحية مبنى الشركة الضخم اللي وراهم.
الأنوار فيه كانت شغالة عادي كأن مفيش حاجة حصلت.
لو فيكتور كان متأكد إنه خسر قالت بهدوء،
ماكانش هيبتسم كده.
سكتت لحظة.
وبعدين أضافت جملة أخيرة خلت الجو أثقل
ده معناه إن اللي جاي أكبر من اللي فات كله.
وفي نفس اللحظة داخل مبنى ديلكور، في طابق مغلق ماحدش كان يعرف عنه حاجة
نور شاشة الكمبيوتر اشتغل لوحده.
وملف باسم ELISE LEVEL 2 ACTIVATION اتفتح في اللحظة اللي ظهر فيها اسم الملف على الشاشة، كأن الهواء في الغرفة اتغيّر.
داخل مبنى ديلكور، الطابق المغلق كان فاضي تمامًا إلا من صوت أجهزة بتشتغل لوحدها، وكأن حد كان مستني اللحظة
دي من زمان.
الشاشة عرضت سطر تاني
تم تفعيل المرحلة الثانية.
تحت المطر، إليز ما كانتش عارفة إن فيه حاجة
تم نسخ الرابط