سمعت ابويا وامي

لمحة نيوز


أمي قالت بسرعة:
"ما تسمعيش كلامها… دي بتقول أي حاجة."
لكن خلود زقتها بعصبية وقالت:
"لأ… لازم تعرف! طول عمرها عايشة في وهم."
بصيت لأبويا، كان ساكت، نازل بعينه الأرض.
قلبي بدأ يدق بطريقة غريبة.
قلت:
"اتكلمي."
خلود ضحكت ضحكة مكسورة وقالت:
"جدو عبد الرحمن ما كانش جدك الحقيقي."
الدنيا سكتت حواليا.
حتى صوت الأسانسير وقف.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
أمي قربت مني وهي بتبكي:
"كنا ناويين نقولك… بس خفنا."
صرخت:
"تقولولي إيه؟!"
أبويا أخيرًا رفع عينه وقال بصوت واطي:
"إيلارا… إنتي بنت أختي."
ما فهمتش.
بصيتله بذهول.
كمل وهو بيكسر كل كلمة:
"أختي ماتت وهي بتولدك… وكانت لوحدها. وأنا وأمك ما كانش عندنا أولاد وقتها، فربيناكي على إنك بنتنا."
رجعت خطوتين وسندت على الحيطة.
نفسي اتقطع.
"يعني… أنا مش بنتكم؟"
أمي شهقت:
"إنتي بنتنا بالتربية والحب—"
قاطعتها وأنا بضحك بمرارة:
"حب؟! إنتوا كنتم لسه بتحاولوا تسرقوا بيتي!"
خلود قالت بغل:
"

وعشان كده جدو كان بيفضلك عليا دايمًا… لأنك حفيدته الحقيقية، وأنا لأ."
هنا فهمت كل حاجة.
حب جدي. دفاعه عني. وصيته بالشقة باسمي أنا.
كان عارف.
كان الوحيد اللي اختار الصدق… حتى لو سكت.
سألت أبويا وأنا دموعي بتنزل:
"ليه عمركم ما قلتولي؟"
رد بصوت مكسور:
"خفت أخسرك."
قلت:
"وخسرتني فعلًا."
أمي وقعت على الكرسي في طرقة العمارة بتعيط.
خلود كانت بتبصلي بكره سنين طويلة.
أما أنا… فحسيت إن حياتي كلها بتتفكك، وفي نفس الوقت بتتجمع من جديد.
دخلت الشقة وقفلت الباب بهدوء.
قعدت على كرسي جدو قدام البيانو.
وبعد ساعة كاملة من الصمت… فتحت الدرج اللي كان مقفول سنين، بالمفتاح اللي سابهولي.
ولقيت ظرف عليه اسمي بخط إيده:
"لإيلارا… لو جه اليوم اللي عرفتي فيه الحقيقة."إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف.
ورقة واحدة… مطوية بعناية، وريحتها نفس ريحة مكتب جدو، خشب قديم وقهوة.
فتحتها، ولقيت خطه الواضح:
"إيلارا حبيبتي…
لو بتقري الرسالة دي، يبقى الحقيقة
وصلتلك أخيرًا، ويمكن بالطريقة اللي كنت خايف منها.
أول حاجة لازم تعرفيها… إنك ما كنتيش يومًا عبء، ولا غلطة، ولا سر لازم يستخبى.
إنتي هدية جات لنا في عز الحزن.
أمك الحقيقية، سلمى، كانت أطيب من عرفت. قوية، وعنيدة، وبتضحك من قلبها. ماتت وهي بتحارب عشان تعيشي.
وأنا أوعدتها قبل ما تمشي إنك هتكبري وسط ناس يحافظوا عليكي."
وقفت عن القراءة، دموعي نزلت من غير صوت.
كملت:
"ابني، اللي إنتي ناديتيه طول عمرك بابا، وافق ياخدك ويربيكي. وفي سنين كتير، كان بيحبك بصدق. لكن بعض القلوب بتضعف قدام المقارنة، والغيرة، والطمع.
ولما جات خلود، بدأت الموازين تختل.
كنت بشوف، وساعات كنت بتدخل، وساعات كنت بتأخر… وده ذنبي اللي هحاسب نفسي عليه طول العمر."
شهقت وأنا بقرأ.
يعني جدو كان عارف كل حاجة… وساكت جزئيًا.
نزلت للسطر اللي بعده:
"سامحيني لو ما قدرتش أحميكي من كل شيء.
لكن في شيء واحد قدرت أعمله صح…
كتبت الشقة باسمك من بدري، وحطيت شرط في الوصية
محدش يعرفه غير المحامي."
اتشد جسمي كله.
كملت بسرعة:
"لا يجوز بيع الشقة أو نقل ملكيتها إلا بحضور إيلارا شخصيًا وتوقيعها، وبعد مرور خمس سنوات على وفاتي.
ولو ثبتت أي محاولة استيلاء أو تزوير من أي فرد من العائلة، تنتقل ملكية حساب الاستثمار الملحق بالوصية إلى إيلارا فورًا."
حساب استثمار؟
أنا شهقت بصوت عالي.
في آخر الرسالة كتب:
"المبلغ وقت كتابة الرسالة كان بسيط… لكن مع الوقت هيكبر.
استخدميه لتبدئي حياتك، مش لتعاقبي أحد.
وأهم من الفلوس… افتحي الدرج السفلي."
قمت فورًا وفتحت الدرج السفلي في المكتب.
كان فيه ملف أزرق، ومفتاح صغير، وصورة قديمة.
الصورة فيها أمي الحقيقية… شايلة طفل رضيع.
أنا.
ونسخة شبهي كانت مرعبة.
حضنت الصورة وبكيت لأول مرة على حد ما عرفتهوش.
رن جرس الباب فجأة.
قمت ومسحت دموعي، وبصيت من العين السحرية.
لقيت المحامي الأستاذ نبيل واقف.
ولما فتحت، بصلي وقال:
"أخيرًا… كنت مستني اليوم ده من سنين."
ورفع الملف اللي
في إيده وقال:
"جبتلك كشف الحساب… بس لازم تعرفي، اللي جوا أكبر بكتير مما تتخيلي."

 

تم نسخ الرابط