رجعت من الغربة
رجعت من أمريكا بعد 11 سنة… ولقيت أمي اتجننت وعايشة في بيت مهجور
الشمس كانت واطية شوية، ورامية نورها الأصفر على الطريق الترابي. شيماء ماشية بسرعة، تعب السفر باين على وشها، بس قلبها مليان لهفة.
وقفت فجأة… — "إيه الريحة دي؟"
قربت أكتر، وقلبها بدأ يدق بسرعة: — "ماما! إنتي هنا؟! إيه اللي حصلك؟!"
الست رفعت عينيها ببطء… شعرها مبهدل، هدومها متقطعة، وإيديها مليانة تراب.
— "آه… إنتي جيتي."
شيماء اتصدمت: — "إيه ده؟! إيه اللي حصل لأمي؟!"
وقفت واحدة على باب البيت، بتبص ببرود: — "أمك بقالها فترة مش كويسة… وإحنا كنا بنتصرف."
شيماء صرخت فيها: — "بتتصرفوا؟! دي قاعدة في التراب وبتاكل من الزبالة! وده بالنسبالكوا تصرف؟!"
وقعت على ركبها جنب الشنطة، وحطت إيديها على وشها، ودموعها نزلت فجأة… كأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
دي مش مجرد حكاية… دي عن ناس المفروض يحموا بعض… بس اختاروا أسهل طريق: التجاهل.
في الطيارة…
النور خافت، وشيماء قاعدة جنب الشباك. عنيها مفتوحة ومليانة أمل وقلق في نفس الوقت. النوم مش راضي ييجي.
مسكت موبايلها، وفضلت تقلب في صور قديمة…
مامتها "أمينة" وهي صغيرة… بتضحك، قاعدة على ماكينة الخياطة، لابسة هدوم نضيفة وشعرها مترتب.
غمضت عينيها، وسندت راسها على الشباك، وهمست: — "11 سنة يا ماما… 11 سنة وأنا بعيدة. أنا جاية… المرة دي بجد. مش هتصدقي أنا حوشت قد إيه. هصلح البيت… هجيبلك هدوم جديدة… ونقعد سوا كل جمعة… وهتضحكي تاني… أوعدك."
عدّت مضيفة الطيران، شيماء فتحت عينيها ولسه مبتسمة… أمل صافي.
بس نفس الابتسامة دي… اتكسرت أول ما وصلت.
دلوقتي… هي راكعة
تعالوا نرجع لورا شوية… قبل 11 سنة.
كان يوم تلات في أغسطس… اليوم اللي حياتها اتغيرت فيه.
شيماء كان عندها 23 سنة… بسيطة، جدعة، وكانت بتدعي ربنا بقالها سنتين عشان الفيزا.
— "اللي بعده."
الظابط زق الجواز من تحت الإزاز وقال: — "مبروك."
شيماء خرجت من السفارة، ووقفت في الحر، وخدت نفس عميق… كأن الهوا نفسه بقى مختلف.
ساعتها كانت فاكرة إن الغربة هي أصعب حاجة…
ماكنتش تعرف إن الأصعب… إنك ترجع تلاقي اللي كنتي عايشة عشانهم… ضاعوا.أول ما شيماء مسحت دموعها، قربت من أمها ببطء: — "ماما… أنا شيماء… بنتك… بصيلي كده."
أمينة بصت لها لحظة… عنيها زغللت، وكأن في حاجة جواها بتحاول تفتكر… بس فجأة بعدت وشها، ورجعت تاكل من اللي في إيديها.
قلب شيماء اتقطع.
لفت على رانيا وهي بتترعش من الغضب: — "إيه اللي حصل؟ قولي الحقيقة!"
رانيا اتأففت: — "قولتلك… حالتها ساءت واحدة واحدة. كانت بتتكلم لوحدها… بتصرخ… وبعدين بقت كده."
— "وإنتوا عملتوا إيه؟!"
— "وديناها لدكتور… بس مفيش فايدة. وبصراحة… ماحدش كان فاضي يقعد جنبها طول الوقت."
شيماء قربت منها خطوة، صوتها بقى أوطى بس أخطر: — "يعني سيبتوها كده؟ ترموها في بيت مهجور؟!"
رانيا سكتت… وبصت بعيد.
هنا شيماء فهمت… إن في حاجة أكبر من كده.
دخلت البيت… كان ضلمة، ريحة عفنة، حاجات مكسورة في كل حتة. بس اللي شدها بجد… كان صوت خافت.
همس.
— "ما تمشيش… هي هترجع…"
شيماء اتجمدت.
الصوت كان جاي من أوضة جوه.
دخلت بحذر… ولما فتحت الباب، قلبها وقع.
الحيطة مليانة
"رانيا خدته… رانيا خدته… رانيا خدته…"
شيماء رجعت تبص لرانيا بسرعة: — "خدتي إيه؟!"
رانيا اتوترت: — "إيه الكلام الفارغ ده؟ دي كانت بتهلوس!"
بس شيماء ما اقتنعتش.
نزلت على ركبتها، بدأت تقلب في الحاجات القديمة… لحد ما لقت صندوق خشب صغير متكسر.
فتحته…
واتجمدت.
كان فاضي.
بس واضح إنه كان فيه حاجة مهمة جدًا.
رفعت عينيها ببطء على رانيا: — "الصندوق ده كان فيه إيه؟"
رانيا بلعت ريقها: — "ولا حاجة… شوية ورق قديم."
شيماء قامت فجأة، صوتها علي: — "كذابة!"
سكون تقيل ملأ المكان…
وبرا، أمينة بدأت تضحك…
ضحكة غريبة… مرعبة…
وقالت بصوت متقطع: — "رجعتي بدري يا شيماء… قبل ما الحقيقة تختفي…"
شيماء خرجت تجري لها: — "حقيقة إيه يا ماما؟!"
أمينة قربت منها، همست في ودنها: — "أبوك… ما ماتش زي ما قالوا…"
الدنيا لفت بشيماء.
— "إيه؟!"
أمينة بصت ناحية رانيا… وبصوت مليان خوف: — "اسأليها… هي تعرف…"
شيماء ببطء لفت وشها لرانيا…
والنظرة اللي في عينيها المرة دي… ماكانتش بنت راجعة لحضن أمها…
دي كانت حد بيدور على قاتل.شيماء فضلت باصة لرانيا… نظرة ثابتة، مخيفة.
— "اتكلمي."
رانيا حاولت تضحك: — "إنتي مكبرة الموضوع ليه؟ أمك تعبانة وبتخرف…"
شيماء قربت منها خطوة: — "أنا صابرة من ساعة ما وصلت… بس صبري خلص. الصندوق كان فيه إيه؟ وأبويا حصل له إيه؟!"
سكون…
الهواء تقيل…
وفجأة… رانيا قالت: — "أبوكي مات… زي ما قولنا."
شيماء ردت بسرعة: — "كدب."
رانيا اتوترت: — "ليه يعني؟!"
شيماء رفعت إيدها وورّت لها حاجة كانت ماسكاها…
صورة.
صورة قديمة… بس مش قديمة أوي.
أبوها
كان واقف جنب راجل غريب… وقدام محل… والتاريخ مكتوب على الصورة من سنتين بس!
— "دي لقيتها في الصندوق… اللي إنتي قولتي فاضي."
وش رانيا اصفرّ.
— "دي… دي صورة قديمة…"
— "مكتوب عليها من سنتين يا رانيا."
رانيا سكتت.
وشيماء كملت بصوت أوطى: — "أبويا عايش… صح؟"
ثواني…
وبعدين رانيا انهارت: — "أنا… أنا ماكنتش لوحدي!"
شيماء شهقت: — "يعني إيه؟!"
— "أبوكي كان عليه ديون… كبيرة. ناس خطر… كانوا عايزين فلوسهم. وهو… اختفى."
— "اختفى؟!"
— "هرب! وسابنا! ساب أمك… وسابني أنا كمان!"
شيماء زعقت: — "وأمي مالها بكل ده؟!"
رانيا دموعها نزلت: — "لما اختفى… الناس دول جُم. هددونا… قلبوا البيت… خدو كل حاجة… حتى الورق… حتى الدهب…"
شيماء افتكرت فجأة: — "الصندوق…"
رانيا هزت راسها: — "كان فيه عقد البيت… والورق اللي يثبت إنه باسم أمك."
قلب شيماء دق بعنف: — "يعني البيت…"
— "اتباع… غصب عننا."
شيماء بصت حواليها للبيت المهجور: — "وده؟!"
رانيا بصوت مكسور: — "ده المكان الوحيد اللي ماحدش كان عايزه… جبتها هنا عشان أستخبى بيها… منهم…"
— "ومن إيه تاني؟!"
رانيا بصت بعيد… وسكتت.
بس قبل ما تتكلم…
أمينة صرخت فجأة برا: — "جم! جم تاني!"
شيماء جريت برا بسرعة…
وقلبها وقع.
عربية سودة واقفة قدام البيت…
وراجلين نازلين منها.
واحد منهم بص لشيماء… وابتسم ابتسامة تقيلة:
— "أخيرًا رجعتي يا بنت الحاج حسن… كنا مستنيينك."
شيماء حسّت الأرض بتهتز تحتها: — "مستنييني… أنا؟!"
الراجل قرب أكتر، وقال: — "أبوكي سايب حساب مفتوح… وإحنا بنقفل الحسابات."
شيماء بلعت ريقها: — "هو فين؟!"
الراجل
— "أدفع كام؟!"
الراجل بص لرانيا… وبعدين رجع لشيماء: — "مش فلوس بس… في حاجة أهم."