ببعت لأمي
المحتويات
في بيتي تمشي بكلامي أنا!
هنا عرفت إن الموضوع مش فلوس بس.
في حاجة أكبر أعمق ومريضة.
لكن قبل ما أتكلم
صوت موبايل أمي رنّ.
بصّت للشاشة ووشها اتغيّر فجأة.
حاولت تقفله بسرعة
بس أنا كنت أسرع.
خدت الموبايل من إيديها غصب عنها.
ولما بصّيت على الرسالة
الدم جمد في عروقي.
الدفعة وصلت كملّي زي ما اتفقنا أهم حاجة ما حدش يشك.
رفعت عيني عليها ببطء
وهمست
اتفقنا مع مين يا أمي؟
سكتت
بس المرّة دي الخوف كان واضح في عينيها.
وفي اللحظة دي بالذات
سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة. الخبط على الباب كان عنيف لدرجة إن قلبنا كلنا اتقبض في نفس اللحظة.
أنا بصّيت لأمي
كانت واقفة متسمّرة، وشها شاحب بشكل غريب.
مين؟! صوتي خرج حاد.
مفيش رد بس الخبط زاد أقوى.
هدى قربت مني وهي بترتعش
أنا أنا خايفة يا أحمد
بصّيت في عينها وقلت بهدوء
محدش هيقرب لك طول ما أنا هنا.
لكن الحقيقة؟
أنا نفسي كنت قلقان خصوصًا بعد الرسالة اللي شوفتها على موبايل أمي.
قربت من الباب ببطء
وفتحت.
أول ما الباب اتفتح
وقف قدامي راجل غريب، شكله مش مريح خالص.
ملامحه حادة ونظرته بتفحص الشقة بسرعة.
ورا ضهره كان في واحد تاني واقف على السلم.
قال بنبرة ناشفة
الحاجة أم أحمد هنا؟
اتشدّيت وبصّيت ورايا لأمي.
لقيتها بتقرب بخطوات مترددة.
أيوه أنا في إيه؟
الراجل طلع ورقة من جيبه، ومدّها ناحيتها
إحنا جايين ناخد باقي الفلوس.
سكتت الدنيا
فلوس إيه؟! قولتها وأنا مش فاهم.
الراجل بصّ لي باستغراب
إنت مين؟
رديت بعصبية
أنا صاحب البيت وابنها. في إيه؟!
الراجل رفع حاجبه، وبصّ لأمي تاني
واضح إنك ما قلتيش له.
أمي حاولت تتكلم
أحمد أنا كنت هفهمك
قاطعتها
تفهميني إيه؟!
الراجل اتنهد وقال
بص يا أستاذ والدتك واخدة مننا فلوس وممضية على وصل أمانة.
الهواء اتسحب من صدري.
قد إيه؟
الراجل قال الرقم بهدوء
بس وقع عليّا كان زي الصاعقة
مية وخمسين ألف جنيه.
بصّيت لأمي
مية وخمسين ألف؟! إزاي؟!
قالت بسرعة وهي بتنهار
كنت كنت محتاجة فلوس
صرخت
ومين اللي كان بيديكي 15 ألف كل شهر؟!
الراجل دخل في الكلام
والمبلغ ده بقاله شهور ما اتسدّش وإحنا صبرنا كتير.
بصّيت له
وإيه علاقة ده بمراتي؟!
هنا الراجل سكت لحظة وبعدين قال جملة خلت ضهري يتشد
ما هو الاتفاق كان إنها تقلل المصاريف خالص.
لفّيت له بحدة
يعني إيه؟!
رد ببرود
يعني البيت يمشي بأقل أكل ممكن لحد ما الدين يتسد.
بصّيت لأمي
والصدمة اتحولت لغضب مرعب.
يعني إنتي جوعتي مراتي علشان تسدّي دينك؟!
أمي بدأت تعيط
ماكنتش قصدي توصل لكده
هدى صرخت من ورايا لأول مرة
وصلت! أنا كنت بموت من الجوع!
الصمت ضرب المكان.
الراجل قال ببرود
المهم إحنا عايزين حقنا. يا تدفعوا يا هنضطر نتصرف.
قولت وأنا باخد نفس تقيل
تتصرفوا إزاي؟
الراجل بصّ لي نظرة طويلة وبعدين قال
هنرجع بالورق وساعتها الموضوع هيكبر.
كنت لسه هرد
لكن فجأة
الراجل اللي واقف وراه اتحرك لقدام، وبصّ جوه الشقة.
عينه وقعت على هدى
وساعتها ملامحه اتغيرت فجأة.
قال بصوت واطي بس واضح
إستنى أنا شفت الست دي قبل كده
اتجمدت مكاني.
قصدك إيه؟!
بصّ لها تاني، وضيّق عينه
أيوه مفيش شك دي هي
قلبي بدأ يدق بعنف.
هي مين؟!
الراجل بلع ريقه وبصّ لي نظرة غريبة
دي الست اللي المفروض تكون ماتت من سنة.
الصمت نزل تقيل على المكان.
بصّيت لهدى
لقيتها واقفة وشها أبيض وشفايفها بتترعش.
همست
إيه اللي بيقوله ده يا هدى؟!
لكن قبل ما ترد
أمي صرخت فجأة
اطلعوا برّه!! كفاية كده!!
لكن كان خلاص
السر بدأ يطلع للنور.
واللي جاي كان أخطر بكتير مما كنت متخيل. الراجل وقف لحظة وبصّ لنا كلنا بنظرة تقيلة، وبعدين قال بهدوء مرعب
مش وقته دلوقتي بس الحقيقة هتظهر لوحدها.
وساب الشقة ومشي هو واللي معاه.
الباب اتقفل
بس الإحساس إن في حاجة اتقفلت جواه إحنا كمان ما راحش.
سكتنا كلنا.
هدى كانت بتترعش، وبتبص في الأرض.
وأمي واقفة في الركن، ملامحها اتكسرت تمامًا لأول مرة.
قربت منها وأنا مش قادر أسيطر على غضبي
إيه الكلام ده؟! مراتي كانت هتموت من الجوع وناس جاية تقول إنها ميتة من سنة؟!
أمي نزلت عينيها وقالت بصوت مكسور
أنا كنت بحاول أحميك وأحميها
ضحكت بسخرية
تحميها بجوعها؟!
سكتت لحظة وبعدين قالت الجملة اللي خلت الدنيا تقف
هي مش هدى أو مش زي ما إنت فاكر.
بصّيت لها بصدمة
إنتي بتقولي إيه؟!
هدى بدأت تعيط بصوت عالي
أنا تعبت أنا مش قادرة أكمل كده
قربت منها، مسكت إيديها
إنتي مراتي فهماني؟ مراتي!
لكنها سحبت إيديها ببطء
وقالت بصوت واطي
أنا حتى مش فاكرة نفسي بدأت هنا إزاي
ساعتها حسيت إن الأرض بتسحبني.
أمي أخيرًا قالت الحقيقة
اللي جوا البيت ده مش مجرد حياة عادية في حاجة حصلت من سنة واتفقت إني أدفنها بس الفلوس اللي كنت بتبعتها فتحت اللي اتقفل تاني.
سكتت لحظة
وبعدين كملت
والراجل ده كان شريك في الموضوع.
بصّيت حواليّا كل حاجة بقت غريبة كأن البيت نفسه مش نفس البيت.
هدى رفعت عينيها ليا
وقالت جملة أخيرة بصوت مكسور
أنا عايزة أعرف أنا مين بجد.
وفي اللحظة دي
نور الكهرباء رجع فجأة.
والبيت كله اتنار
بس في الزاوية اللي ورا المطبخ
كان في باب صغير مفتوح
ما كانش موجود قبل كده.
ومنه طالع صوت خفيف بيهمس باسمي. الهمس زاد واسم أحمد اتكرر جوه الظلمة اللي في الباب الصغير.
أنا اتحركت ناحيته غصب عني، كأن رجلي مش بإيدي.
هدى صرخت
متدخلش هناك!
وأمي وقفت ورايا بسرعة
أحمد! ابعد!
بس كان متأخر.
فتحت الباب الصغير
لقيت سُلّم نازل لتحت، قبو مظلم تحت الشقة، مفيهوش أي ضوء غير لمبة ضعيفة بتترعش.
نزلت خطوة وبعدين خطوة تانية.
ريحة غريبة ورق قديم وهدوء تقيل.
ولما وصلت تحت
اتجمدت.
كان فيه أوضة صغيرة، وفيها ملفات كتير، وصور معلّقة على الحيطة
وصورة
بس مش أنا لوحدي.
جنب الصورة كان فيه هدى
بس بملامح مختلفة شبهها بس مش هي بالظبط.
وفي النص ورقة مكتوب عليها بخط أمي
النسخة الجديدة جاهزة لو الأصل رجع،
متابعة القراءة