لما شوفت مراتي بقلم زيزي

لمحة نيوز

لما شفت مراتي الحامل بتغسل المواعين لوحدها نص الليل… كل حاجة جوايا اتغيرت للأبد
اسمي أحمد حسن، عندي خمسة وتلاتين سنة، ولو حد سألني النهارده إيه أكبر ندم في حياتي… مش هقول فلوس ضاعت ولا شغل خسرته… هقول حاجة واحدة بس:
سكوتي.
السكوت اللي سِبته يكبر في بيتي لحد ما بقى خانق.
لفترة طويلة، كنت فاكر نفسي راجل كويس… مش مثالي، بس كويس.
بشتغل، بجيب فلوس، وبقول لمراتي "بحبك"… وكنت مقتنع إن ده كفاية.
بس الحقيقة؟ كنت غلطان.
اتربيت في بيت كله نظام زيادة عن اللزوم… أمي أمينة حسن، بعد ما أبويا توفى، ربتني أنا وأخواتي التلاتة لوحدها.
أختي الكبيرة سمر كانت دايمًا واخدة دور الأم التانية، وبعدها منى ونادية… وكل حاجة في البيت كانت بتمشي بكلامهم.
وأنا؟
اتعودت من صغري ما أعترضش.
كانوا بيقرروا عني كل حاجة… تعليمي، صحابي، حتى اختياراتي.
وما كنتش بشوف ده غلط… ده كان الطبيعي.
لحد ما قابلت مريم عبد الله.
كانت مختلفة عن أي حد شوفته… هادية، طيبة، بتسمع أكتر ما بتتكلم.
كانت شغالة في مكتبة صغيرة، وكل كلمة منها كانت ليها معنى.
حبيتها من أول مرة.
بعد 3 سنين… اتجوزنا.
وفي الأول، كل حاجة كانت هادية وجميلة.
عشنا في بيت العيلة… أمي تحت، وأخواتي

داخلين خارجين طول الوقت.
كنت شايف ده شيء حلو… ترابط عيلة.
مريم حاولت بكل طاقتها تتأقلم…
تطبخ، تساعد أمي، تبتسم لأخواتي حتى لو جم من غير ميعاد.
بس مع الوقت… بدأت أشوف حاجات… وكنت بتجاهلها.
سمر تلمّح على أكلها.
منى تقارن بينها وبين "أمي زمان".
نادية تضحك وتقول:
"بنات اليومين دول مش بيعرفوا يديروا بيت."
ومريم؟
ولا كلمة.
بس ابتسامة صغيرة… وعينيها في الأرض… وتكمّل اللي بتعمله.
كنت بقول عادي… هزار عيلة.
لحد ما مريم حملت.
كان يوم فرح… أمي عيطت، وأخواتي عملوا عزومة كبيرة.
بس من ساعتها… حاجة اتغيرت.
مريم بقت بتتعب… ببطأ…
جسمها شايل روح تانية… بس ولا حد واخد باله.
لسه بتطبخ، بتنضف، وبتستقبل زيارات مالهاش آخر.
كنت بقولها ترتاح…
فترد بنفس الجملة كل مرة:
"أنا كويسة يا أحمد… مش عايزة أتعب حد."
الجملة دي… كان لازم تفوقني.
بس أنا ما فهمتش.
لحد ليلة…
رجعت متأخر من الشغل… كان حوالي نص الليل.
البيت ساكت… بس في نور جاي من المطبخ.
دخلت…
وشفتها.
مريم واقفة قدام الحوض… بطنها الكبيرة لازقة في الرخامة…
بتغسل جبل مواعين من عزومة العيلة.
كتافها بتترعش… شكلها منهكة… كأنها هتقع.
كوباية وقعت من إيدها واتكسرت…
حتى ما اتحركتش.
غمضت عينيها
لحظة… كأنها بتجمع آخر طاقتها.
وساعتها…
حسّيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
استوعبت إني واقف ببص على مراتي…
مش عايشة…
بتحاول تعيش بالعافية في بيتي.
إيدي كانت بتترعش… وطلعت الموبايل…إيدي كانت بتترعش وأنا ماسك الموبايل…
بصيت لمريم… لقيتها لسه واقفة مكانها، كأنها مش حاسة بحاجة حوالينها.
قلت فجأة، بصوت واطي:
"سيبي يا مريم… أنا هكمل."
اتخضت… كأنها ما كانتش واخدة بالها إني رجعت أصلًا.
بصّتلي بسرعة وقالت وهي بتحاول تبتسم:
"لا لا… خلاص قربت أخلص."
قربت منها… مسكت إيديها… كانت ساقعة بشكل غريب.
قلت بحدة أول مرة تظهر مني:
"قولت سيبي."
سابت الإسفنجة… من غير ما تجادل.
وده كان أغرب رد فعل… مفيش اعتراض، مفيش حتى راحة… بس طاعة صامتة.
في اللحظة دي فهمت…
هي مش مرتاحة… هي مستسلمة.
خدتها وقعدتها على الكرسي… جبت لها كوباية مية.
قعدت تبص قدامها في الفراغ…
ولا كلمة.
سألتها بهدوء:
"مريم… إنتِ كويسة؟"
اتأخرت في الرد… وبعدين قالت جملة كسرتني:
"أنا تعبانة شوية بس… عادي."
عادي.
كل حاجة عندها بقت "عادي".
بصيت على إيديها… لقيت فيها جروح صغيرة من المواعين…
وبطنها كانت باينة إنها تقيلة عليها جدًا.
قلت:
"مين اللي سابلك كل ده؟"
سكتت…
وبعدين قالت
بصوت واطي:
"العيلة كانت هنا… ومشيت."
"وإنتِ لوحدك؟"
هزّت راسها.
في اللحظة دي… الدم غلي في عروقي.
مش منها… مني أنا.
أنا اللي سبت ده يحصل.
أنا اللي سكت على كل كلمة… كل ضغط… كل استغلال.
وفجأة… سمعت صوت حركة ورايا.
لفّيت…
لقيت أمي واقفة على باب المطبخ… ومعاها سمر.
أمي قالت ببرود:
"لسه ما خلصتش؟ الصبح عندنا ناس جايين."
بصّيت لها… وبصّيت لمريم…
اللي قامت تلقائي تمسك الإسفنجة تاني.
وهنا… حصلت اللحظة اللي عمري ما هنساها.
صرخت:
"مريم اقعدي مكانك!"
الصوت خرج مني عالي… قوي… غريب حتى عليّ.
الكل سكت.
أمي بصتلي بدهشة:
"في إيه يا أحمد؟ بتكلم أمك كده؟"
قربت خطوة… وقلبي بيدق جامد:
"لأول مرة… آه."
سمر دخلت بسرعة:
"إنت مكبر الموضوع ليه؟ دي شوية مواعين—"
قاطعتها بعصبية:
"شوية مواعين؟! دي مراتي حامل في الشهر السابع! واقفة لوحدها نص الليل بتغسل ورا عزومة كاملة!"
أمي قالت بنبرة حادة:
"وإيه يعني؟ كلنا عملنا كده قبلها."
ضحكت ضحكة قصيرة… بس كانت مليانة غضب:
"لأ… مش كلنا. ومش مراتي."
بصّيت لمريم… كانت واقفة مصدومة… عينيها مليانة دموع.
كملت وأنا شايف نفسي لأول مرة بوضوح:
"من النهارده… مفيش عزومات من غير ما أنا أكون موجود. ومفيش شغل
يتساب لها لوحدها. ولو حد عنده مشكلة… الباب قدامه."
سكتت الدنيا كلها.
أمي اتغير لون وشها:
"إنت بتطردنا؟"
قلت بهدوء ثابت:

تم نسخ الرابط