بعد سنين في الغربة بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

صوت حماتي.
جوزي اتجمد.
بصلي:
“هي رجعت؟!”
رديت بهدوء:
“هي ما مشيتش أصلًا… كانت بس بتكلم وهي واقفة تحت.”
الخبط زاد.
“افتحي! مش هتفلتي باللي عملتيه!”
جوزي وقف في النص بيني وبين الباب، مش عارف يتحرك ناحية مين.
“هنفتح ولا نسيبها كده؟”
بصيت له.
المرة دي كان القرار في عينه هو… مش في صوت أمه… ولا في صوتي.
الخبط زاد أكتر لدرجة إن الباب نفسه اهتز.
وفجأة…
صوت بنت صغيرة من برا الباب قالت بخوف:
“ماما… في إيه؟”
سكون.
حماتي كانت جايبة حتى الأطفال معاها.
جوزي بصلي بصدمة:
“ده مش طبيعي…”
وقبل ما نتحرك…
المفتاح اتحط في الباب من برا.
واتفتح نص فتحة.
ووش حماتي بان وهي بتقول بابتسامة غريبة:
“خلصنا الكلام… هنقعد نقعد النهاردة جوه البيت ده… سواء عجبكوا أو لأ.”
جوزي اتراجع خطوة لورا.
وانا بصيت للباب…
وعرفت إن اللي جاي مش مجرد خناقة عيلة…
ده انفجار بيت كامل اتبني على صمت سنين.باب الشقة اتفتح أكتر… ووش حماتي دخل منه كله كأنها داخلة مملكة مش بيت ابنها.
وراها واقفين: سلفي، مراته، والأطفال متلخبطين، ووشوشهم فيها خوف وفضول.
“اقفلي الباب ده يا أحمد!” قالتها حماتي وهي داخلة بخطوات سريعة.
جوزي واقف في النص، بيني وبينها، كأنه اتشل.
بص لي وبعدين بص لها:
“إيه اللي
إنتوا بتعملوه ده؟!”
ردت عليه بحدة:
“مراتك قفلت بيتنا في وشنا وكسفتنا قدام الناس!”
ابتسمت أنا… بس ابتسامة مفيهاش أي دفء.
“بيتكم؟” كررتها بهدوء. “ولا بيت ابنكم اللي أنا شايلة فيه كل حاجة من سنين لوحدي؟”
سلفي حاول يتدخل:
“يا جماعة بلاش كده…”
بس حماتي قاطعته:
“إنتي اتجاوزتي حدودك! البيت ده ما اتقفلش في وشنا قبل كده!”
هنا رفعت عينيها فيّ ببطء وقالت الجملة اللي فجّرت كل حاجة:
“إنتي مش هتخرّجينا من بيت ابننا.”
سكت لحظة.
وبعدين رديت:
“مش بطرد حد… أنا بطلب احترام.”
قربت خطوة لقدام.
“أنا عمري ما قلت لأ، ولا مرة. بس عمري ما اتسألت إنتي تعبانة؟ إنتي محتاجة إيه؟”
صوتي بدأ يعلى لأول مرة:
“أنا كنت بطبخ، وبنضف، وبخدم، وبضحك، وبستحمل… لحد ما بقيت شبح جوه بيتي!”
جوزي حط إيده على راسه:
“كفاية… كفاية يا أمي.”
حماتي بصت له بصدمة:
“يعني إيه؟ هتسكتلي؟! عشانها؟!”
هو ما ردش.
دي كانت أول مرة يسكت قدامها.
السكوت ده كان أخطر من أي صراخ.
فجأة، واحدة من الأطفال بدأت تعيط.
الجو كله اتكسر للحظة إنسانية صغيرة.
بس حماتي ما سكتتش… بالعكس زودت:
“أنا اللي ربيتكوا! أنا اللي تعبت! وهي جاية دلوقتي تقف في وشي؟”
هنا أنا قربت منها… خطوة واحدة بس.
وبصوت واطي لكن ثابت قلت:
“أنا
مش جاية أقف في وشك… أنا جاية أوقف حياتي اللي بتتسرق.”
سكتت.
المرة دي عشان الجملة وجعتها.
جوزي بص بينا الاتنين، وبدأ صوته يتهز:
“ماما… كفاية… البيت ده بيتنا إحنا… مش ساحة خناقة.”
حماتي رجعت خطوة لورا.
كأن الكلمة دي مش داخلة دماغها.
“إنت بتطردني؟”
هو رد بصعوبة:
“أنا بطلب إنك تحترمي بيتنا.”
الصمت اللي بعد الجملة دي كان تقيل جدًا.
وفجأة…
حماتي ضحكت ضحكة قصيرة عصبية:
“تمام… واضح إنك بقيت ابن مراتك.”
وسابت الباب مفتوح، وخرجت وهي بتقول:
“أنا مش هتعدّيها.”
سلفي خرج وراها، والأطفال بسرعة.
فضلنا إحنا التلاتة جوه البيت.
أنا… وهو… والهواء اللي بقى تقيل كأن البيت نفسه بيحاول يفهم اللي حصل.
قعد على الكنبة تاني، بس المرة دي مختلف.
مش تعبان من السفر… تعبان من الحقيقة.
بصلي وقال بصوت واطي:
“إنتي فعلاً كنتي بتعيشي كده كل يوم؟”
سكت لحظة.
وبعدين رديت:
“وأكتر.”
سند راسه لورا، وغمض عينه.
“أنا آسف… بس أنا مش عارف أصلح ده كله مرة واحدة.”
قربت منه وقعدت قدامه:
“مش مطلوب تصلحه مرة واحدة.”
سكت.
“مطلوب بس… ما تسيبنيش لوحدي تاني.”
رفع عينه فيّ.
وفي اللحظة دي، لأول مرة… مكنش في صوت حد غيرنا.
بس برا الباب… كان واضح إن القصة لسه ما خلصتش.
لأن في حرب بدأت من
سنين… ومبتتقفلش في يوم واحد.قعدنا في سكون طويل، كأن البيت نفسه بيستوعب اللي حصل.
جوزي أخيرًا اتكلم بصوت هادي:
“أنا هتكلم مع أمي… وهحط حدود واضحة. ومش هتتكرر المهزلة دي تاني.”
بصيت له بعين فيها تعب سنين:
“الموضوع مش حدود بس… الموضوع إنك تبقى موجود.”
سكت.
دي كانت الحقيقة اللي اتقالت من غير زينة.
في الأيام اللي بعدها، حصل اللي عمري ما كنت متخيلاه.
جوزي فعلاً راح لأهله، واتكلم لأول مرة من غير ما يبرر ولا يهرب. الخناقات حصلت، والزعل كان كبير، بس المرة دي هو ما انسحبش.
حماتي زعلت، وقلّت زياراتها، بس ما دخلتش البيت بنفس الشكل القديم. كل حاجة بقت بحدود واضحة: زيارات، وقت، واحترام للخصوصية.
وأنا…
ما بقيتش واقفة في المطبخ طول اليوم زي زمان.
بدأت أطلع من البيت، أتنفس، أقعد مع عيالي، وأخد وقت لنفسي من غير إحساس بالذنب.
وفي ليلة هادية… بعد ما الدنيا سكتت، قعدنا أنا وهو في البلكونة لأول مرة من سنين من غير دوشة.
قاللي:
“أنا كنت فاكر إني لما أرجع هعوضك… بس اكتشفت إني كنت محتاج أسمعك الأول.”
بصيت له وابتسمت ابتسامة صغيرة:
“وإنك لما سمعتني… الدنيا بدأت تتصلح.”
سكتنا شوية.
مش كل الجروح اتقفلت… بس لأول مرة مفيش حد بيكتم صوت التاني.
البيت ما بقاش
“ساحة ناس كتير”…
بقى بيتنا إحنا.
ومش النهاية المثالية اللي بتتنسي بسرعة…
لكن بداية هادية… متأخرة… بس أخيرًا حقيقية.

تم نسخ الرابط