روايه سقـوط القـناع بقلم منــال عــلي

لمحة نيوز

كنت لسه خارجة من المستشفى بعد عملية جراحية.. وأختي زعقت فيا وقالتلي بلاش عيشة الضحية دي وقومي حضري العشا!
باب الفيلا اتفتح بالصوت التقيل اللي طول عمره بيحسسني إني صغيرة ومكسورة..
كنا عايشين في فيلا ضخمة في المعادي، بابا، أستاذ إسماعيل بيه، كان ماسك إدارة شركات تعدين ولوجستيات بره مصر، وشغله كان بيبعده عننا بالشهور. الفلوس عمرها ما نقصت.. الرخام، النجف، الجناين، الشغالين، العزومات اللي بتضم أكابر البلد.. مفيش حاجة من دي غابت عننا أبداً.
لكن اللي غاب فعلاً، وللمرات اللي متتعدش، كان حد يدافع عني وهو مش موجود. بقلم منال علي 
أنا اسمي ليلى. عندي واحد وعشرين سنة، بدرس في الجامعة وبحاول أتعايش في بيت أختي الكبيرة، فريدة، قررت فيه إني مش فرد من العيلة.. أنا مجرد شغالة ببلاش.
لما بابا كان بيسافر، كان بيسيبها هي المسؤولة.. كان بيقولها كده، وكأنه بيوكلها بمهمة عظيمة، وكأنه فعلاً سايبني في إيد أمينة بقلم منال علي 
بس فريدة مكنتش بتهتم بيا.. كانت بتديرني.
كانت بتستخدمني عشان حياتها تفضل مريحة وعلى سنُة عشرة.
كنت بغسل، وبكنس، وبلم ورا حفلاتها، وأرتب التراس، وأتابع الموردين، وأستلم الطرود، وفي وسط كل ده بذاكر بالعافية، والملازم مفتوحة وسط فوط المطبخ والمكانس والصواني الفاضية. وهي بتصور ستوريز وتخرج تتغدا في أماكن شيك وتصرف فلوس متعبتش فيها، كنت أنا بجري من واجب للتاني عشان محدش يقول عليا نكدية أو

بتاعة مشاكل.
الوقعة حصلت يوم جمعة. بقلم منال علي 
فريدة كانت عاملة سهرة مفاجئة، وده معناها إن فيه عشرين بني آدم قلبوا الصالون زريبة، وخلصوا على أغلى القزايز، وسابوا الجنينة متبهدلة لحد الفجر. قمت بدري تاني يوم عشان كان عندي مجموعة تقوية الساعة تمانية، وكان لازم أنضف الكارثة دي قبل ما أنزل.
فاكرة كويس كرتونة القزايز الفاضية وهي بين إيديا.
فاكرة ريحة العرق اللي كان مدلوق على السلالم.
فاكرة رجلي وهي بتتزحلق..
وبعدها الضربة. بقلم منال علي 
مكتش مجرد وقعة.. كانت دحديرة. نزلت كام درجة لحد ما جنبي خبط في طرف عمود رخام في المدخل. الوجع جالي زي سكين نار. اتكومت على الأرض، مفيش نفس، وحاسة إن فيه حاجة جوايا اتقطعت فعلاً.
حاولت أنادي على فريدة.
بس كنت عارفة إنها مش هترد.. دايمًا بتقفل تليفونها عشان تنام براحتها.
طلبت الإسعاف وإيدي بتترعش بقلم منال علي 
المسعفين لقوني مرمية في الصالة، وشي أصفر زي الليمونة، وغرقانة في عرقي، ومغمى عليا تقريبًا. سمعت كلمات خطيرة وهما بيشيلوني نزيف داخلي.. اشتباه انفجار.. حالة عاجلة.
في المستشفى أكدوا اللي جسمي كان حاسس بيه الطحال انفجر. دخلت عمليات فوراً. لما فوقت بعدها بكام ساعة، كنت حاسة إن بطني متخيطة بنار. خراطيم، وأجهزة، وشاش تقيل، وفراغ جوه جسمي خلاني أفهم إني مش ليلة بتاعة الصبح خالص.
أول حاجة فكرت فيها إني أكلم بابا. بقلم منال علي 
كان حقي.. ومنطقي.
. وعدل.
بس لما سمعت صوته من بره مصر، وصوت المكن التقيل وراه وتعب السنين في نبرته، غلبتني عادتي القديمة إني أحمي الكل من وجعي.
كدبت عليه.
قولتله إني وقعت وقعة بسيطة، وإني بايتة عند صاحبتي نور، ومش عايزة أشغل باله.
لحد دلوقتي مش عارفة عملت كده حبًا فيه ولا جُبن مني؟
يمكن الاتنين.
قولت أكيد فريدة لما متلاقينيش في البيت هتاخد بالها. يمكن تبعتلي رسالة. يمكن تسأل أنا فين. يمكن، ولو لمرة، تفهم إني بني آدمة وممكن أتكسر.
بعد ساعة، جاتلي رسالتها.
مسألتش لو كنت لسه عايشة.
مسألتش لو محتاجة حاجة.
مسألتش حتى أنا منمتش في أوضتي ليه.
كتبت
إنتي شيلتي مفتاح الباب الجانبي فين؟ بتاع المطبخ واقف بره ومحتاجه. بقلم منال علي 
رديت عليها أنا في المستشفى. عملت عملية طارئة. ومحتاجة تساعديني في ورق التأمين.
شافت الرسالة.. بقلم منال علي 
ومردتش.
تاني يوم الصبح كلمتني وهي بتزعق عشان الميكروويف الكبير باظ، وبتحلف إني بوظته عشان أتدلع ومأنضفش الجنينة. كانت بتكلمني وكأني بمثل إني تعبانة.. وكأن عملية جراحية كبيرة دي مجرد طريقة درامية عشان أهرب من الواجبات.
وفي اللحظة اللي كانت بتزعق فيها، صاحبتي نور دخلت الأوضة وفي إيدها شوربة سخنة، وسمعت كل حاجة.
نور كانت أول حد يسمي اللي بيحصل لي باسمه الحقيقي.
قالت لي يا ليلى، ده مش غيرة أخوات.. ده اسمه قهر وافترا. بقلم منال علي 
حاولت أدافع عن فريدة..
حاولت أدافع عن شكل العيلة.
.
حاولت أفضل ليلى اللي بتصغر نفسها عشان غيرها ميتضايقش.
بس خلاص، مخزون الصبر خلص.
بالليل بابا كلمني تاني. قال لي قلبه مش مطمن، وصوتي مش صوت وقعة بسيطة. قال لي أنا عارفك يا ليلى، قولي الحقيقة.
وهنا انهار كل حاجة.
حكيت له.
عن الخبطة..
والعملية..
والحفلات..
والرسايل..
والمكالمة الأخيرة..
وعن السنين اللي فريدة عاملتني فيها كأني دادة لخدمة راحتها.
الناحية التانية ساد صمت مرعب.
لما رجع يتكلم، مكنش الراجل الحنين اللي بيحاول يوفق بين بناته.. كانت نبرة تانية خالص. غضب مكتوم وبرود يخوف.
قالي متكلميهاش تاني. ومترديش على حاجة. أنا جاي في الطريق.
خمس دقايق وتليفوني انفجر رسايل من فريدة.
بتقولي إني خاينة.
وإن بابا وقف لها كل الكروت.
وإنها مش هتدفع مليم في مصاريف المستشفى.
وإني لو ملمتش نفسي ورجعت أول ما أخرج، هترمي هدومي في الشارع.
وإنها هتوريني النجوم في عز الظهر.
وفي اللحظة دي، ولأول مرة من سنين، محستش بالذنب.
بعد يومين خرجت من المستشفى. بقلم منال علي 
مكنتش قادرة أمشي عدل.
كنت بتني من الوجع.
كل حركة كانت بتفكرني كنت قريبة من الموت قد إيه.
نور وصلتي للبيت. بابا مكنش لسه وصل، بس بعت مدير أمن شركته، عم جابر، راجل طويل وهادي. خلانا نركن بعيد عشان ندخل من غير ما حد يحس.
لما الباب اتفتح، فريدة كانت واقفة في نص الصالة، لابسة طقم حرير وشيك جداً، وكأن مفيش حاجة حصلت.
شافتني وأنا ساندة على الحيطة، وبترعش، وبطني
ملفوفة بشاش تحت الهدوم الواسعة.
أول كلمة قالتها كانت بقلم
 

تم نسخ الرابط