روايه بداية جديدة بقلم منال علي

لمحة نيوز

"ده أكل ده؟! ده ميتأكلش!" — كريم زق الطبق بعصبية غشيمة، لدرجة إن الشوربة السخنة اتدلقت على المفرش الأبيض اللي زي القشطة.. المفرش ده اللي "زينة" كانت لسه غسلاه ومبخرّاه ومخليه زي الفل عشان غدوة يوم الجمعة ولمة العيلة. بقلم منــال عـلـي 

​زينة وقفت مكانها جنب البوتاجاز، والكبشة في إيدها، ومش قادرة تنطق. كانت بتبص لبقعة التقلية الحمراء وهي بتسرح في المفرش وبتكبر، وبتبوظ تعبها ونضافتها اللي ملهاش مثيل.

​— "إنتي أصلاً واعية للي بتعمليه؟ ولا إيديكي دي مابقتش تنفع لحاجة خالص؟!" — صوت جوزها كان بيرج البيت من الغضب، وطالع أعلى من صوت الزحمة والدوشة اللي في الشارع.

​— "يا كريم، أنا بس كنت عايزة أسألك لو تحب..." — بدأت تتكلم بصوت واطي ومكسور، بس هو ماداهاش فرصة تكمل.

​— "مش عايز زفت! إنتي سرحانة في الملكوت وأنا راجع من الشغل جعان زي الديب! أنا شقيان طول النهار في المواقع وتحت الشمس، وأرجع البيت ألاقي القرف ده؟!"

​22 سنة.. 22 سنة بالتمام والكمال وهي اللي بتطبخله. وحماتها هي اللي كانت معلمّاها

الأصول: "شوحّي البصلة لغاية ما تصفر، وانزلي بصلصة البيت المتسبكة، وفي الآخر رشة سكر صغيرة عشان تكسر المزازة". زينة كانت حافظة كل تركة وكل نفس في الأكل من حماتها.

​بس النهاردة التليفون رن وهي بتملح الشوربة. كانت بنتها "مريم" بتكلمها عن الحضانة، وعن ابنها الصغير "ياسر" اللي كان بيعيط ومش راضي يلبس الجاكت التقيل. زينة سرحت في كلام بنتها وضحكت.. وإيدها فرطت في الملح.

​— "يا كريم، أنا بس اتلخبطت.. يمكن الملح زاد مني شوية عشان مريم كانت بتكلمني متوفره على روايات واقتباسات 

​— "دايماً عندك حجة!" — قام فجأة، والكرسي عمل صرخة على البلاط.. "مرة مريم، ومرة التليفزيون، ومرة صاحبتك اللي مابتفصلش! كل حاجة عندك أهم من بيتك!".  بقلم منــال عـلـي 

​زينة حطت الكبشة بالراحة على الرخامة، كعادتها اللي اتعلمتها عشان متوسخش الدنيا مهما كانت محروقة من جواها.

​— "عارفة إيه؟" — قالها وهو في الطرقة بيلبس جزمته بسرعة.. "أنا رايح لأمي، هناك على الأقل بياكلوني لقمة تفتح النفس، مش زي البهايم!"

​رزع الباب

وراه ربعة هزت الشقة كلها، وحلّ في المطبخ سكات أتقل من أي زعيق.

​قربت زينة من السفرة، شالت الطبق وفضّته في الحوض. داقت الشوربة.. فعلاً كانت حادقة نار، عرفت ده لما داقتها بعد ما الخناقة خلصت. كان ممكن تتصلح في ثانية، لو رمت فيها حتة بطاطس تسحب الملح أو زودت شوية مية.. خمس دقايق وكانت هتبقى زي الفل. بس هو مستناش.

​سمعت صوت الموتور بيحرق في الشارع.. عربيتهم الفضية طارت في اتجاه المنطقة اللي ساكنة فيها أمه.

​رجعت زينة للسفرة، وغرفت لنفسها شوية في طبق صغير. داقت.. أيوة مالحة، بس مش لدرجة المصيبة يعني! كان ممكن ببساطة يقول: "يا زينة، الملح زاد منك النهاردة يا حبيبتي". وكانت هتفهم وتعتذر وتصلحها.

​بس هو قاموسه مفيهوش كلمة "حصل خير".. فيه بس لوم وزعيق ونكد.

​في اللحظة دي، ظهرت صاحبتها وسلفتها "عطيات" عند الباب. خبطت خبطتين ودخلت، زي عوايد البيوت المصرية اللي الجيران فيها أهل.

​بصت بصه سريعة للمطبخ، شافت المفرش المبلول، والكرسي المقلوب، وكتاف صاحبتها اللي الهم هاددها.. وفهمت الفولة.

​— "مشي تاني؟

"

​— "الشوربة كانت مالحة يا عطيات..." — ردت زينة بصوت مخنوق.

​— "وهو الملح يخلي الواحد يعمل كل ده؟ زينة، ولعي على مية للشاي.. إحنا لازم نتكلم."

​قعدوا في البلكونة اللي باصة على الشارع والناس. عطيات كانت بتقلب الشاي بالراحة، ومستنية زينة تنطق.

​— "بقى بيروح لأمي كتير السنة دي.." — زينة قالتها أخيراً.. "بتقول إن قلبها واجعها وضغطها عالي.. وهو بيجري عليها."

​عطيات بصت لها بجدية: "زينة.. حماتك كانت امبارح في السوق، زي الجن وبصحتها ونازلة فصال مع بتاع الخضار. لا شكلها عيانة ولا تعبانة."

​قلب زينة قبضها: "قصدك إيه؟"

​— "من فترة.. شفته في وسط البلد مع واحدة. وقتها سكت وقولت ماليش دعوة وعيالي وعيالك. بس دلوقتي.. الراجل ميهربش من بيته ويقلب الدنيا عشان شوية ملح زيادة.. إلا لو كان فيه حضن تاني مستنيه وعايز يخلع بسببه."

​زينة همست: "إحنا بينا عشرة.. وبنت.. وحفيد.. وبيت..."

​عطيات ردت: "التعود مش حياة يا زينة.. ده اسمه طلوع روح بالبطيء."

​كريم رجع قبل نص الليل. مدخلش الأوضة ونام على الكنبة. والصبح

قعد ساكت باصص في تليفونه وبيبتسم للشاشة.

 

تم نسخ الرابط