روايه ضربني ابني بقلم الهواري

لمحة نيوز

أنا اسمي كمال… وعندي 68 سنة… وعمري ما تخيلت إن اليوم اللي هتتهد فيه كل المعاني اللي عشت عليها هيكون على إيد ابني… ابني اللي شلته وهو طفل… وكبرت معاه حلم بحلم… وكنت فاكر إن تعبي كله هيترجم في الآخر لراحة وسند… مش لإهانة تكسّر الضهر.

اللي حصل الليلة دي ماكانش مجرد خناقة… ولا حتى قلة أدب عادية… ده كان لحظة انكسار كاملة… لحظة بتفصل بين راجل عاش طول عمره أب… وراجل قرر يبقى لوحده.

أنا كنت رايح له وأنا فرحان… والله العظيم فرحان… شايل هدية بسيطة لكن غالية عندي… ساعة قديمة كانت بتاعة أبويا… كان نفسي تبقى معاه… حاجة تربطه بأصله… يمكن تفكره هو مين… وأنا مين.

دخلت الفيلا… بصيت حواليّ… كل حاجة فيها أنا عارفها… مش عشان أنا زرتها قبل كده… لأ… عشان أنا اللي بنيتها… أنا اللي دفعت فيها من عرقي وسنين عمري… بس ساكت… سايبهم يحسوا إنها حياتهم… يمكن ده كان غلطي.

قعدت… والناس حواليه… صحابه… ناس لابسين شيك… بيضحكوا بصوت عالي… نظراتهم ليا كانت كفاية تقول كل حاجة… “الراجل القديم ده إيه اللي جابه؟”

اديته الهدية… فتحها… بص لي نص بصّة… ورماها على الترابيزة… اللحظة دي بس كانت كفيلة تكسر أي حاجة جوايا… بس استحملت… قولت يمكن ضغط… يمكن إحراج

قدام صحابه.

لكن لما قال: “أنا زهقت من وجودك… البيت ده مابقاش ليك علاقة بيه”… ساعتها بس… حسيت إن في حاجة جوايا بتتسحب مني.

رديت بهدوء… بهدوء غريب حتى عليا: “أوعى تنسى مين اللي عمل كل ده…”

هو ما استناش… قام وزقني… وبعدها أول قلم.

القلم الأول وجع… التاني صدمة… التالت خلى الدنيا تسكت… وبعد كده بقيت بعدّ… واحد… اتنين… تلاتة… لحد ما وصلت 30.

وأنا بتضرب… ماكنتش بدافع عن نفسي… ولا حتى بزقه… كنت واقف… بس واقف جوايا حاجة بتتغير… حاجة بتموت.

كنت شايفه قدامي… مش ابني… شايف راجل غريب… عينيه مليانة قسوة… وكأن كل سنين التربية اختفت في لحظة.

ومراته… قاعدة بتتفرج… بابتسامة… لا فيها شفقة… ولا حتى استغراب… كأن اللي بيحصل ده عادي.

لما خلص… كان بينهج… وأنا ساكت… مسحت الدم من بوقي… وبصيت له… نظرة واحدة بس… نظرة وداع… من غير كلمة.

خدت العلبة من على الأرض… وخرجت.

في العربية… ماعيطتش… ولا حتى حسيت إني عايز أعيط… كنت هادي بشكل مخيف… الهدوء اللي بييجي قبل القرار الكبير.

وصلت البيت… قعدت لوحدي… وبصيت في السقف… وسألت نفسي سؤال واحد: “هو أنا لسه أب؟ ولا أنا مجرد راجل اتضحك عليه؟”

والإجابة جات بسرعة… “لا… أنا انتهيت كأب النهارده.”

تاني

يوم… صحيت بدري… لبست هدومي… شربت قهوتي… وكأن مفيش حاجة حصلت… بس جوايا كان في قرار اتاخد خلاص.

8:06 كلمت المحامي… صوتي ثابت… مفيهوش أي تردد.

8:23 كلمت مدير الشركة… ودي كانت أهم خطوة… لأن الحقيقة اللي هو ما يعرفهاش… إن الفيلا عمرها ما كانت باسمه.

كل حاجة كانت باسمي… من خلال الشركة.

كنت سايبهم يعيشوا… يجربوا… يشوفوا نفسهم… لكن واضح إن التجربة انتهت.

9:10 الفيلا كانت معروضة للبيع… عرض سريع… أقل من سعرها… عشان أخلص.

11:49 كنت بمضي العقود… وبقبض الفلوس… وأنا حاسس لأول مرة من سنين إني باسترجع حقي… مش فلوس… كرامة.

وبعدها بدقايق… التليفون رن.

اسمه ظهر قدامي.

ابتسمت… ابتسامة صغيرة… مش شماتة… لا… حاجة أقرب للراحة.

رديت… سكت ثانيتين… وهو بيصرخ:
“إيه اللي بيحصل؟! في ناس بتخبط على الباب وبيقولوا البيت اتباع؟!”

قلت له بهدوء:
“البيت مش بتاعك يا شريف… عمرك ما كنت صاحبه.”

سكت… كأنه اتخبط… حاول يتكلم… صوته اتكسر:
“إنت بتهزر؟!”

رديت:
“أنا عمري ما بهزر في اللي يخص كرامتي.”

وقلتله حاجة واحدة بس قبل ما أقفل:
“النهارده بس… أنا بطلت أب… وبقيت راجل بياخد حقه.”

قفلت التليفون… وحطيت الموبايل على الترابيزة… وبصيت قدامي… لأول مرة

من سنين طويلة… حسيت إني خفيف… مفيش حمل على قلبي… مفيش حد مستني مني حاجة… ولا أنا مستني منه.

هل ندمت؟… لأ.

هل وجعت؟… آه… وجع عمره ما هيروح.

بس في فرق كبير بين وجع بيكسرك… ووجع بيفوقك.

وأنا النهارده… فوقت.

أما شريف؟
فدي أول مرة في حياته… يتعلم إن اللي بيضرب أبوه… ممكن في يوم… يلاقي نفسه واقف بره بيته… بيخبط… ومفيش حد بيفتح.

المكالمة خلصت… وسكوت تقيل نزل على المكان… سكوت غريب، لا فيه انتصار ولا فيه راحة كاملة… فيه بس إحساس إن صفحة اتقفلت للأبد.

قعدت مكاني شوية… ببص في الفلوس اللي قدامي… مش كأني كسبت… بالعكس… كأني بلم بقايا حاجة اتكسرت ومش هتتصلح تاني.

لكن الحكاية ما انتهتش عند المكالمة.

بعد حوالي ساعة… التليفون رن تاني… نفس الاسم.

المرة دي سبت الموبايل يرن… مرة… اتنين… عشرة… لحد ما سكت.

وبعدها برسالة… طويلة… مليانة عصبية وتهديد في الأول… وبعدين شوية شتيمة… وبعدين فجأة… نبرة اتغيرت… “طب خلينا نتكلم… أكيد في سوء تفاهم…”

ابتسمت بسخرية خفيفة… سوء تفاهم؟
30 قلم مش سوء تفاهم… دي نية… دي حقيقة ظهرت من غير قناع.

عدّى اليوم… وبليل… جالي اتصال من رقم غريب.

رديت… لقيت صوتها… “نيرمين”.

صوتها المرة دي ماكانش فيه الغرور

اللي شوفته بعيني امبارح… كان فيه توتر… خوف… يمكن أول مرة تحس إن الأرض بتهتز تحت رجليها.

 

تم نسخ الرابط