مصرختش لما ابني زقني
ماصرختش لما ابني زقّني ونزلني على سلالم القبو.
وده اللي بيصدّم الناس لما يسمعوا الحكاية بعد كدهلو صدّقوها أصلًا. بيتخيلوا راجل عجوز بيجري، بيصرخ، بيتعلّق في السلم، بيستجدي. متوقعين هلع وصوت عالي وفضيحة.
لكن لما إيد أحمد خبطت صدري والدنيا اتقلبت ورا ضهري، أول حاجة فكّرت فيها ماكانتش خوف.
كانت تعرف.
مش تعرّف على وشّهأنا عارف وشه من وهو رضيع صغيرلكن تعرّف على اللحظة نفسها. إزاي العنف بييجي فجأة من غير إنذار. وإزاي القرار بيتاخد في ثانية، ومش بيبقى ليك فرصة تعترض.
وقعت على 13 درجة زي كيس عضم وهوا.
خلف دماغي خبط في الخرسانة. وركي صرخ كأنه بيتفصل من مكانه. معصمي اتكسر بكسر مفاجئ خلى الألم يطلع في دراعي ويغطي نظري. حسّيت بطعم دم فورًامعدني، تقيل، سخن. وبعدها دخلت في ظلام، مش ظلام كامل، لكن ظلام القبو هوا رطب، بارد، تراب، وضوء خافت جاي من شباك صغير قريب من السقف.
وفوق مني، سارة ضحكت.
مش ضحكة توتر. ولا صدمة. ضحكة نضيفة وحادة كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
يمكن دلوقتي يفهم بقى أخيرًا، قالت وصوتها بيطلع بين الأرضيات كأن البيت بيردد كلامها.
أحمد اتكلم بعدها، صوته مش واثق، متوتر من اللي عمله.
هو مات؟
يهمكش، قالت سارة بحدة. ساعدني في البيبي. هنخرج.
خطواتهم مشت في المطبخ. دولاب اتفتح. حاجة خبطت في حاجة.
سكون.
أنا ممدود في قاع سلالم بيتي، بنزف على الخرسانة، ومما صرختش.
ومخبطتش على الباب.
ومعملتش أي حاجة تدّيهم إحساس إنهم انتصروا.
كنت بس باخد نفس بهدوء وبقيس الضرر، زي ما بتعمل لما تكون اتعودتمن الحياة، من التجاربإنك تحسب الخسائر من غير انفعال.
الورك غلط. ألم عميق تقيل.
المعصم مكسور.
الضلوع ممكن مكسورة أو متدبّلة، كل نفس كان زي سكينة.
الدماغ نزيف ودوخة، بس لسه واعي، يعني لسه في وقت.
الوقت هو اللي كان مهم.
طلّعت الموبايل بإيدي السليمة، والنور نور وشي في القبو زي شمس صغيرة صناعية. إبهامي وقف على اسم في جهات الاتصال ما اتلمستش من 35 سنة.
ودقيت اتصال.
رد من أول رنة.
يا نهار أبيض قال محمود، صوته خشن وفيه استهزاء كده بتاع راجل شاف كتير ومابقاش بيتفاجئ. فينسنت كاروزو. كنت فاكر إنك ميت.
لسه لأ، قلت، وصوتي ثابت لدرجة حتى أنا استغربتها.
سكت لحظة. محمود كان سامع وجع الألم في نفسيتي.
في إيه؟
قلت ثلاث كلمات بس
الوقت جه يا محمود.
سكت تاني، بس المرة دي أثقل. متأكد؟
أنا متأكد.
الباب ده ما بيتفتحش نص فتحة، قال بتحذير.
عارف، قلت.
قول التفاصيلأخذت نفس بطيء، وكل كلمة طالعة مني كانت بتكلفني مجهود.
أحمد ابني. سكتت لحظة وأنا ببلع الوجع. زقّني في القبو. هو وسارة قفلوا عليّا وطلعوا.
في الناحية
اتأذيت قد إيه؟ سأل أخيرًا.
كفاية أعرف إني لو فضلت هنا شوية كمان، مش هقوم.
سكت تاني. وبعدها صوته اتغير بقى بارد، مختلف، صوت حد بيرجع لمكانه القديم بعد سنين غياب.
اسم المكان؟
بصيت لفوق ناحية الباب المقفول. النور اللي تحت الشقوق كان بيغيب وييجي مع حركة برا.
البيت في شقة العجمي القديمة.
لسه ساكن هناك؟ قالها بنبرة فيها استغراب خفيف.
مش مهم دلوقتي.
سمعت صوت كراسي بتتحرك عنده في الناحية التانية، كأنه قام واقف.
اسمعني يا فينسنت قالها لأول مرة باسمي القديم كأنه بيرجّعه للحياة. ما تخرجش. ما تحاولش تزحف. ولا تخبط. تفهمني؟
ليه؟
سكت لحظة قصيرة جدًا لكنها كانت كافية تخلي قلبي يضرب أسرع رغم الألم.
لأن اللي فوق دول مش ولادك بس.
الكلمة وقفت جوا وداني.
يعني إيه؟
قبل ما يرد، سمعت من فوق صوت حاجة بتتفتح مش باب البيت.
باب حديد تقيل.
وبعدها صوت رجالة خطوات مش عادية. منظمة. هادية زيادة عن اللزوم.
محمود كمل بسرعة
لو حد سأل عليك قبل كده باسم تاني أو عرض فلوس على ابنك يبقى الموضوع أكبر من خناقة عيلة.
ابتلعت الدم اللي في بقى بالعافية.
وفجأة ضوء القبو اتغير.
مش نور الشمس.
نور كشاف.
اتحط على فتحة السلم وابتدى ينزل ببطء على الحيطان، كأنه بيدوّر
وسمعت صوت قريب جدًا من فوق بيقول بلهجة مصرية ثقيلة
فينه؟ هو لسه عايش؟
سكتت تمامًا.
ومحمود في التليفون قال بصوت أخفض
فينسنت لو هما دخلوا القبو دلوقتي يبقى أنت اتكشف مكانك.
الخطوة اللي بعدها كانت فوق رأسي مباشرة.
وحد قال بهدوء مخيف
لقيناه السكوت اللي حصل بعد كلمة لقيناه كان أثقل من الألم نفسه.
سمعت خطوات بتنزل على السلم الحديد، ببطء محسوب كأن اللي جاي مش مستعجل، كأنه واثق إني مش هقدر أتحرك أصلاً.
نور الكشاف ثبت عليّا.
غُبِر القبو كله بقى أبيض فجأة، وأنا ممدد على الأرض، دراعي مكسور، وركي بيحرقني، ونفسي بيطلع بالعافية.
صوت الراجل جه قريب
لسه عايش زي ما قالوا.
ما حاولتش أتكلم. أي كلمة كانت هتكشف ضعف أكتر من اللي ظاهر.
لكن إيدي السليمة كانت لسه ماسكة الموبايل.
محمود كان لسه على الخط.
همس
ما تقفلش مهما يحصل.
الراجل نزل درجة كمان، ووقف قدامي.
كنت شايفه بس بشكل جزئي من تحت الكشافبدلة سودة، جزمة تقيلة، ووش مفيهوش أي تعبير. زي حد متدرب على إنه ما يحسّش.
فين فينسنت كاروزو؟ سأل.
ما رديتش.
هو قرب خطوة.
أنا مش جاي أأذيك أنا جاي أخلص موضوع. قالها بهدوء يخوف أكتر من الصريخ.
في اللحظة دي، صوت من فوق السلم اتدخل.
سيبه.
صوت مألوف أهدى، لكن فيه سلطة.
الراجل اللي قدامي وقف فورًا.
وبعدين رجع خطوة لورا.
أنا
وشفت سارة واقفة عند بداية السلم، ماسكة دراع أحمد.
لكن اللي وقف وراهم ماكنش حد