روايه الصدمة

لمحة نيوز

رجعت من شغلي بدري تلات أيام ورا بعض، من غير ما أقول لحد، ولا حتى ألمّح مكنتش راجع عشان مفاجأة حلوة ولا شوق، بالعكس كان فيه إحساس تقيل جوايا بيشدني للبيت شد، إحساس ملوش تفسير. الشارع هو هو، نفس الزحمة، نفس البياعين، نفس صوت الكلاكسات، بس قلبي كان تقيل كأني راجع على حاجة مش هتعجبني حاجة هتكسرني.
وقفت قدام باب الشقة، وإيدي على المفتاح، بس ما فتحتش على طول فضلت ساكن، بسمع. مفيش صوت غير خبط معلقة خفيفة في طبق، الصوت كان بطيء، تعبان، كأن اللي بياكل بيستأذن الأكل إنه يعدي. فتحت الباب بهدوء ودخلت المطبخ منور بنور أصفر باهت، والمشهد قدامي كان كفيل يهد جبل.
أمي قاعدة على طرف الترابيزة، ضهرها محني شوية، قدامها طبق صغير فيه رز أبيض بايت، ناشف، وعليه شوية صويا صوص أو ماجي لا خضار، لا لحمة، لا حتى نقطة زيت تلمعه. بتاكل بهدوء شديد، كأنها خايفة حد يسمعها. وعلى الناحية التانية لورا، مراتي، قاعدة مرتاحة، قدامها طبق مليان كباب حلة، اللحمة بتلمع والبخار طالع منها،

وريحة الأكل مالية المكان وهي ماسكة الموبايل، بتقلب فيه، ولا في دماغها أي حاجة.
وقفت مكاني، مش قادر أتكلم قلبي كان بيدق بعنف، بس صوتي مخنوق. لورا رفعت عينها، شافتني، اتفاجئت لحظة، وبعدها ابتسمت الابتسامة الباردة
إيه ده؟ رجعت بدري؟
هزيت راسي بس، وقعدت من غير كلمة. عيني على أمي مش قادرة تبصلي. صوت المعلقة في طبقها كان بيوجع أكتر من أي كلمة.
خلصت أمي أكلها بسرعة، قامت تغسل طبقها كأنها بتستخبى، ولورا كملت أكلها عادي جدًا، وبعد ما خلصت سابت طبقها ومشيت تقول داخلة آخد دش. كأن اللي حصل ده عادي طبيعي يومي.
أمي بدأت تلم وتغسل وتلمع الرخامة كعادتها، وأنا قاعد متجمد. ندهت عليها
يا أمي
لفت بسرعة نعم يا حبيبي؟
إنتي اتعشيتي كده؟
ابتسمت الابتسامة اللي كلها كدب وحنية آه يا ابني الحمد لله، شبعت.
بصيت للطبق وبصيت لها وفهمت. هي بتكدب عشان خاطري.
دخلت أوضتي، والليل كله ما نمتش. فتحت حساب البنك، شفت المصاريف كل حاجة وضحت. فلوس المطاعم برا زادت، والبيت مصاريفه قلت
المعادلة بسيطة أكل برة لورا ورز بملح لأمي.
تاني يوم صحيت بدري، قعدت أراقب من بعيد. أمي دخلت المطبخ، بعدها لورا دخلت تقول لها
اعمليلي بيض بالبسطرمة.
من غير صباح الخير من غير كلمة حلوة كأنها بتأمر شغالة.
في اللحظة دي، القرار اتاخد.
نزلت عليهم صباح الخير.
وبصيت لأمي تعالي يا أمي عايزك.
دخلنا الصالة، سألتها بهدوء
بقالنا قد إيه على الحال ده؟
سكتت وبعدها قالت مش دايمًا يا ابني.
بس أنا فهمت مش دايمًا يعني كتير.
قلت لها وأنا عيني بتدمع قومي لمي هدومك.
اتخضت ليه؟
عشان إنتي هتمشي معايا.
في اللحظة دي، لورا ظهرت، بتقول في إيه؟
بصيت لها لأول مرة من غير حب من غير غشاوة.
في تغييرات هتحصل النهارده.
ضحكت بسخرية تغييرات إيه يعني؟
قلت بهدوء مرعب أنا وأمي ماشيين وانتي كمان، بس في طريق تاني.
وشها اتغير إنت بتهزر؟
لأ أنا بقرر.
بدأت تعلى صوتها أنا مراتك!
ومين قال إن مراتك تذل أمي؟
سكتت لحظة وبعدين قالت بتوتر هي اللي اختارت كده!
ضحكت ضحكة مرة أمي اختارت تاكل رز بايت
وإنتي تاكلي لحمة؟ بجد؟
مقدرتش ترد وده كان كفاية.
خدت أمي، ونزلت بيها، وهي طول الطريق بتحاول تقنعني نرجع وأنا ساكت. وصلتها شقة صغيرة مفروشة، نظيفة، دافئة، وقلت لها
من النهارده، مفيش حد يذلك.
رجعت البيت لورا كانت قاعدة مستنية، متوترة. قلت لها بهدوء
جهزي نفسك المحامي جاي.
اتصدمت إنت هتطلقني؟ عشان الأكل؟!
بصيت في عينيها مش عشان الأكل عشان القلب اللي مات.
بدأت تعيط وتترجى تقول إنها غلطت، إنها كانت تعبانة، إنها هتتغير بس الحقيقة كانت واضحة اللي يهين مرة، يهين ألف.
خلال أسبوع، كل حاجة انتهت. الطلاق تم الحسابات اتقفلت والبيت بقى فاضي.
أما أنا بقيت بروح لأمي كل يوم. باكل معاها، نضحك، وأشوفها بتاكل وهي مرتاحة وده كان كفيل يرجعلي نفسي.
وفي يوم، وهي بتضحك وبتقولي ربنا يعوضك يا ابني، ابتسمت وقلت
أنا اتعوضت يا أمي يوم ما خرجتك من الذل.
وساعتها بس حسيت إن بيتي ما اتهدش
بيتي اتبنى من جديد.
بعد ما الأيام عدّت، والهدوء رجع لحياتي بشكل غريب، كنت فاكر إن كل حاجة
خلصت إن الصفحة اتقفلت خلاص، وإن اللي حصل اتحط
 

تم نسخ الرابط