روايه سيدة أعمال قاسية بقلم نور محمد
طارق هز راسه:
— لأن الشغل شغل يا فندم… وأنا مسؤول عن شغلي. ومش بحب أتعاطف مع حد عشان ظروفي.
الكلام ضربها في قلبها مباشرة.
بصت لأخته مرة تانية… وبعدين للطفلة… وبعدين للشقة الفاضية.
المرأة اللي كانت بتقيس كل حاجة بالأرباح والخسائر اكتشفت فجأة إن في حاجات في الدنيا مفيش رقم يقدر يقيمها.
انحنت فريدة ورفعت شنطتها من الأرض ببطء.
فتحتها… وطلعت منها جواب الرفد.
طارق بص له وسكت… كأنه مستعد لأي حاجة.
لكن فريدة عملت حاجة ماكانش متوقعها.
مزقت الجواب قدامه.
قطع صغيرة وقعت على الأرض جنب المرتبة.
قالت بصوت هادي جدًا:
— أنت مش مرفود يا طارق.
بص لها بدهشة.
كملت:
— بالعكس… أنت أحسن مهندس اشتغل معايا.
وسكتت لحظة قبل ما تقول:
— ومن بكرة… الشركة هتتكفل بعلاج أختك بالكامل.
طارق رفع رأسه فجأة وكأنه مش مصدق.
— حضرتك بتقولي إيه؟
ردت وهي بتبص للجهاز الطبي:
— بقول إن في حاجات
الطفلة الصغيرة صحيت في اللحظة دي وقعدت تبص لهم بعينين نعسانة.
فريدة قربت منها وسألتها بابتسامة خفيفة:
— اسمك إيه يا حبيبتي؟
قالت الطفلة بصوت صغير:
— مريم.
ابتسمت فريدة لأول مرة من قلبها.
بعد أيام قليلة…
نُقلت أخت طارق لمستشفى كبير على نفقة الشركة، وبدأت حالتها تتحسن تدريجيًا.
وفي الشركة…
اتفاجأ الموظفين بتغيير كبير في فريدة السيوفي.
بقت تسمع قبل ما تحكم.
وتسأل قبل ما تغضب.
لكن الحاجة الوحيدة اللي عمرها ما نسيتها…
هو صوت الجهاز الطبي اللي سمعته ورا الباب الحديد المصدّي.
الصوت ده فضل يرن في قلبها طول عمرها…
وفكرها إن النجاح الحقيقي مش في القسوة…
النجاح الحقيقي إنك تفضل إنسان.
مرت شهور…
وحياة طارق بدأت ترجع تتنفس من جديد.
أخته خرجت من المستشفى بعد رحلة علاج طويلة، وصحتها اتحسنت بشكل كبير.
الطفلة مريم بقت تضحك طول الوقت،
أما طارق…
رجع للشركة أقوى من الأول، وأنهى مشروعه بنجاح كبير خلّى اسم الشركة يتكلم عنه في كل مكان.
لكن التغيير الأكبر كان في فريدة السيوفي.
الناس في الشركة بقوا يلاحظوا إنها بقت مختلفة.
بقت تقف تسأل الموظفين عن أحوالهم، تسمع مشاكلهم، وتدي فرصة قبل ما تاخد قرار.
وفي يوم…
كان في احتفال كبير في الشركة بمناسبة نجاح المشروع.
كل المهندسين واقفين يصفقوا لطارق بعد ما خلص عرضه.
وفريدة طلعت على المنصة.
بصت للحضور… وبعدين بصت لطارق.
وقالت بصوت هادي:
— النجاح اللي إحنا فيه النهاردة… سببه مهندس علّمني درس مهم.
الموظفين بصوا لبعضهم باستغراب.
كملت فريدة:
— زمان كنت فاكرة إن الإدارة معناها قسوة… وإن الشغل مفيهوش مكان للظروف الإنسانية.
سكتت لحظة وقالت:
— بس اتعلمت إن أقوى شركة هي اللي بتعامل موظفيها كبشر…
وبعدين نادت:
— مهندس طارق… اتفضل.
طلع طارق وسط تصفيق الجميع.
مدّت فريدة له ملف صغير وقالت:
— من النهاردة… أنت الشريك التنفيذي الجديد في الشركة.
القاعة كلها سكتت لحظة… وبعدين انفجرت بالتصفيق.
طارق اتفاجئ جدًا وقال:
— بشمهندسة فريدة… أنا مش عارف أقول إيه.
ابتسمت وقالت:
— قول إنك تستحقها.
وقبل ما ينزل من على المنصة… قالت جملة خلت كل اللي في القاعة يسكتوا:
— في يوم كنت رايحة أطرد طارق من شغله…
لكن لما فتحت الباب الحديد المصدّي… اكتشفت إن اللي محتاج يتغير مكنش هو…
كنت أنا.
ومن يومها…
عرفت إن القلوب اللي بتتحمل المسئولية في صمت… هي اللي تستحق تكون في المقدمة.
صفق الجميع بحرارة…
وفي الصفوف الخلفية كانت الطفلة مريم واقفة جنب أمها، بتبص لطارق بفخر.
أما فريدة…
فوقفت للحظة تبص لهم، وافتكرت اليوم اللي وقفت فيه قدام الباب الحديد القديم.
ابتسمت بهدوء…
لأن
هي نفسها اللحظة اللي رجّعت إنسانيتها من جديد.
تمت.