روايه رجع من غربته
تقدمت خطوة إلى وسط القاعة.
الجميع بدأ يلتفت نحونا.
قلت بصوت هادئ لكنه واضح:
"مساء الخير."
رد بعضهم التحية.
ثم أكملت:
"قبل ما الحفلة تكمل… لازم أعرفكم بشخص."
شدّت ليلى يدي بخجل.
لكنني ابتسمت وقلت:
"دي زوجتي… ليلى الكيلاني."
ساد صمت خفيف في القاعة.
ثم تابعت:
"البيت ده… وكل اللي فيه… أنا بنيته علشان تعيش فيه ملكة."
نظرت نحو عائلتي التي وقفت في الخلف مرتبكة.
وأضفت بهدوء:
"مش علشان تغسل الصحون بعد حفلات بتتعمل بفلوسي."
ساد صمت أثقل هذه المرة.
بعض الضيوف تبادلوا النظرات.
أما أمي فبدت مصدومة.
اقتربت خطوة أخرى.
ثم قلت بابتسامة هادئة:
"الحفلة خلصت."
نظر الحضور لبعضهم، غير متأكدين.
فأكملت:
"الليلة… هتقضيها عيلتي في ترتيب البيت اللي نسوا مين صاحبته."
ثم التفت إلى ليلى.
"وأنتِ… مش هتلمسي طبق واحد تاني."
لم تقل شيئًا.
لكن عينيها امتلأتا بدموع صامتة.
بعد دقائق قليلة بدأ الضيوف يغادرون بهدوء.
القاعة
وقفت أمي في منتصف الصالة وكأنها لا تعرف ماذا تقول.
أما ندى فاختفت بهدوء.
أخذت ليلى إلى الشرفة المطلة على الحديقة.
كان الهواء الليلي باردًا قليلًا… لكنه منعش بعد حرارة المطبخ.
نظرت إليّ بتردد.
"أنا… ما كنتش عايزة أعمل مشكلة بينهم وبينك."
ابتسمت قليلًا.
"وأنا ما كنتش عايز أرجع ألاقيك بتتعبي لوحدك."
سكتت لحظة.
ثم قلت:
"البيت ده مش بيت عيلتي بس."
نظرت إليها.
"ده بيتنا."
ولأول مرة منذ رأيتها في المطبخ…
ابتسمت ليلى.
ابتسامة صغيرة… لكنها كانت كفيلة تمسح تعب شهور كاملة.
وقفت ليلى في الشرفة صامتة، تنظر إلى الحديقة التي كان يُفترض أن تنظفها بعد المطبخ.
الهواء الليلي كان هادئًا… وكأن البيت كله توقف ليلتقط أنفاسه بعد ما حدث.
قلت لها بهدوء:
"قوليلي الحقيقة يا ليلى… من إمتى وأنتِ بتعملي كل ده؟"
ترددت قليلًا… ثم قالت بصوت خافت:
"من بعد ما سافرت بكام
التفتُّ إليها.
"ليه؟"
تنهدت ببطء، وكأنها تخرج ثقلًا كبيرًا من صدرها.
"في الأول كانت مساعدة بس… يومين تلاتة. بعد كده بقوا يعتمدوا عليّ في كل حاجة.
وأنا… ما حبتش أعمل مشاكل بينهم وبينك."
سكتُّ لحظة.
ثم سألت:
"وما فكرتيش تقوليلي؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة.
"كنت تعبان في شغلك… وكل مرة أكلمك كنت بتقول إن الأيام الجاية أهم في حياتنا. ما حبتش أزود عليك هم."
كلماتها سكنت في صدري.
هذه المرأة التي وقفت ساعات تغسل الصحون… كانت تحاول فقط أن تحميني من القلق.
مددت يدي وأمسكت يدها بلطف.
"اسمعي كويس يا ليلى."
رفعت عينيها نحوي.
قلت بهدوء:
"من النهاردة… محدش في البيت ده هيعاملك إلا زي ما تستحقي."
ثم أضفت بابتسامة خفيفة:
"وصدقيني… اللي حصل النهاردة آخر مرة."
في اليوم التالي…
استيقظ البيت مبكرًا على غير العادة.
العائلة كلها كانت في الصالة عندما نزلت أنا وليلى.
تكلمت بهدوء، لكن كلامي كان واضحًا للجميع:
"
نظروا إليّ بصمت.
أكملت:
"ليلى مش خدامة هنا… دي صاحبة البيت."
ثم نظرت إليهم واحدًا واحدًا.
"وأي حد مش عاجبه الكلام ده… يقدر يعيش في بيت تاني."
لم يعترض أحد.
ربما لأنهم رأوا في صوتي شيئًا لم يسمعوه من قبل.
مرّت الأيام بعد ذلك بهدوء.
اختفت التوترات… وعاد البيت كما كان يجب أن يكون منذ البداية.
وفي مساءٍ هادئ بعد أسابيع…
كنت جالسًا في الحديقة أقرأ بعض الأوراق عندما خرجت ليلى تحمل كوبين من الشاي.
جلست بجانبي.
لم تكن ترتدي فستان العمل القديم… بل فستانًا بسيطًا تحبه.
ابتسمت وهي تعطي لي الكوب.
"رجعت الحديقة حلوة تاني."
نظرت حولي.
الأضواء الخافتة… الأشجار المرتبة… والهدوء الذي يملأ المكان.
ثم نظرت إليها.
"البيت كله بقى حلو… علشانك."
ضحكت بخجل.
وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا:
الثروة الحقيقية لم تكن البيت الكبير…
ولا المال…
ولا الحفلات الفاخرة.
الثروة الحقيقية كانت
التي صبرت في صمت…
حتى عاد صاحب البيت… وأعاد لها مكانها الذي تستحقه.
تمت.