اعتنيت بجوزي
اعتنيت بجوزي وهو بيتاكل من السرطان سنة ورا سنة، لوحدي تمامًا، لا حد كان شايف ولا حد كان حاسس، ولما مات… ولاده رموني في الشارع كأني ولا حاجة.
السرطان مكانش مستعجل، كان بياخده واحدة واحدة، في الأول قوته، بعدين صوته، بعدين حتى قدرته إنه يقوم من السرير. وأنا؟ كنت موجودة. كل يوم. أطعمُه بإيدي، أغير له الملايات، وأسهر جنبه بالليل لما يصحى مفزوع من الوجع والخوف. كنت ماسكة إيده وهو بيموت بالبُطء… ومكنتش سايبة.
عرفته وأنا عندي ٤١ سنة. كان أكبر مني، هادي، قليل الكلام، بس وجوده كان أمان. حتى سكوتنا مع بعض كان مريح. بعد سنة اتجوزنا، وحبيته حب عمري ما حسيته قبل كده.
يوم ما الدكاترة قالوا إن السرطان في المرحلة الأخيرة، سرطان بنكرياس، بصلي وقال بهدوء: أوعى تسيبيني.
ما سيبتوش.
بقيت صوته، ورجليه، وإيده.
كنت أنا اللي بترفعه، وأنا اللي بطبطب، وأنا اللي ببتسم قدامه حتى وأنا مكسورة من جوه.
ولاده؟
كانوا موجودين بالاسم بس.
مكالمة كل فترة، وعد بالزيارة، وبعدها اختفاء.
دايمًا مشغولين، دايمًا عندهم حياة أهم.
وفي آخر أيامه، وهو تعبان قوي، كان يمسك إيدي ويبصلي نظرة غريبة… نظرة حد عارف إنه سايب وراه حاجة تقيلة.
مرة قال لي بصوت واطي:
«في حاجات… محدش يعرفها غيري.»
افتكرت ساعتها
مات الفجر.
كنت ماسكة إيده، وحسيت بالبرد وهو بيسيبني.
الحظة دي حسيت إن قلبي وقف، وإن روحي خرجت مع نفسه الأخير.
بعد الجنازة، ولاده جم.
مش حضن، مش كلمة عزاء، جم بورق وملفات ووشوش ناشفة.
قعدوا يتكلموا بهدوء مستفز، كأنهم بيتكلموا عن الطقس.
البيت، الحسابات، الأملاك… كله باسمهم.
فضلوا يكرروا: ده أبوهم، مش جوزي.
وكلمة “مراته” كأنها عمرها ما كانت موجودة.
بعد أسبوع، كنت واقفة في الشارع بشنطتين.
فيهم هدومي، شوية صور، وحياة كاملة اتشالت من غير ما حد يسأل.
مشيت في صمت… لأني خلاص ما بقاش عندي طاقة أقاوم.
عدّى كام يوم، لا باكل ولا بنام، تايهة، مكسورة، ومش فاهمة إزاي الحب ممكن يترمي كده على الرصيف.
وفي ليلة هادية، والموبايل مرمي جنبي،
رن فجأة.
رسالة.
رقم غريب.
كلام قليل…
بس أول سطر فيها خلّى الدم يجمد في عروقي.
لأن الرسالة دي… كانت منه.
ومن اللحظة دي،
كل حاجة كانت لسه هتبتدي…
الموبايل كان على الأرض جنبي، شاشته بتنور في ضلمة الأوضة الرخيصة اللي كنت مأجراها باليوم.
إيدي كانت تقيلة… بس سحبت نفسي وفتحته.
رقم غريب.
رسالة قصيرة.
«لو الرسالة دي وصلتِك… يبقى أنا مشيت.»
قلبي اتقبض.
أنفاسي وقفت.
كملت.
«متخافيش. أنا ما سبتكيش.
الدم جمد في عروقي.
إيده… طريقته… كلماته.
ده هو.
كان فيه تسجيل صوتي مرفق.
فضلت بصاله ثواني طويلة، مش قادرة أضغط.
وبعدين… ضغطت.
صوته خرج واطي، متقطع، واضح إنه متسجل وهو تعبان:
«حبيبتي…
لو إنتي سامعة ده… يبقى أنا معرفتش أقولك بنفسي.
سامحيني.»
انهرت.
حطيت الموبايل على صدري وبكيت بصوت مكتوم.
الصوت كمل:
«أنا عارف إن ولادي… هيعملوا كده.
وعارف إنهم هيظلموكي.
عشان كده… عملت اللي لازم.»
سكت لحظة، وأنفاسه باينة.
«فاكرة لما قلتلك… في حاجات محدش يعرفها غيري؟
كنت بقصدك إنتي.»
قلبي خبط بقوة.
«أنا نقلت البيت… باسمك.
من ست شهور.»
شهقة خرجت مني.
الصوت كمل:
«عملت عقد هبة موثق.
ومحامي أمين حافظ على الورق.
اسمه أستاذ فؤاد النجار.
رقمه في الرسالة.»
إيدي بدأت ترجف.
«لو ولادي طردوكي… روحي له.
البيت بيتك.
وحقك مش هيضيع.»
بكيت أكتر.
الصوت بقى أضعف:
«أنا ماقدرتش أحميكي وأنا عايش…
بس حاولت أحميكي بعد ما أموت.»
سكت… وبعدين قال الجملة اللي كسرتني:
«أوعى تحسي إنك كنتي لوحدك.
أنا كنت شايفك… كل يوم.
وكل حاجة عملتيها… كانت عند ربنا كبيرة… وعندي أكبر.»
الصوت انتهى.
وضلمة الأوضة ما بقتش نفس الضلمة.
في رقم محامي تحت التسجيل.
قعدت أبصله كتير.
مش مصدقة.
خايفة أصدق.
تاني يوم… روحت.
مكتب
سألت على الاسم.
سكرتيرة قالت:
— حضرتك مدام …؟
اتفضلي… أستاذ فؤاد مستنيك.
قلبي وقع.
دخلت.
راجل كبير قام واقف أول ما شافني.
وقال بهدوء واحترام:
— البقاء لله.
أنا كنت مستنيك.
الدموع نزلت فورًا.
قعدني.
فتح درج.
طلع ملف.
وورقة رسمية مختومة.
ودفعها ناحيتي.
— المرحوم نقل ملكية البيت بالكامل لحضرتك بعقد هبة موثق قبل وفاته بستة أشهر.
والعقد مسجل.
يعني… البيت قانونًا ملكك.
بصيت للورقة… ومش شايفة الحروف من الدموع.
همست:
— طب… ولاده؟
ابتسم ابتسامة هادية:
— مالهمش فيه أي حق.
واللي حصل مع حضرتك… إخلاء غير قانوني.
ونقدر نرجعك البيت فورًا… بالقانون.
ساعتها بس…
حسيت إن إيده لسه ماسكاني.
بعد أسبوع.
كنت واقفة قدام نفس البيت اللي خرجت منه بشنطتين.
المرة دي… مع محضر تنفيذ.
الباب اتفتح.
ولاده واقفين… ووشوشهم مصدومة.
المحضر قال بصرامة:
— الشقة ملك السيدة.
وحضراتكم مطلوب منكم تسليمها فورًا.
الصمت كان تقيل.
ابنه الأكبر بصلي بذهول:
— إزاي؟!
طلعت الورقة… ورفعتها قدامه.
وقلت بهدوء:
— أبوك… ما سابنيش.
دخلت.
نفس الريحة.
نفس الصور.
نفس السرير اللي كنت بسهر جنبه.
حطيت شنطتي.
ولأول مرة من يوم موته…
ما حسّتش إني اترميت.
بالعكس.
حسّيت إن حضنه… لسه حواليا.
على
قربت.
ولمستها.
وهمست:
— أنا رجعت البيت… يا حبيبي.
والبيت… ما كانش طوب وسقف.
كان وعد.
ووفاء.
وحب…
ما اترماش على الرصيف أبدًا. ❤️