أهل جوزي
أهل جوزي قطعونا من حياتهم عشان رفضنا نمشي في المستقبل اللي هما مخططينه لنا. وبعد خمس سنين… ظهروا فجأة على باب بيتنا وهما بيعيطوا.
لما اتجوزت إيثان، كنت حاسة من أول يوم إن أهله عمرهم ما هيقبلوني بجد.
هما من عيلة غنية بقالها أجيال—نوادي خاصة، اسم عيلة تقيل، وحياة كلها قواعد وتوقعات محدش بيشكك فيها.
وأنا؟ مدرسة في مدرسة حكومي، مديونة بقرض الجامعة، وبس لبس أغلبه مستعمل.
في فرحنا، أمه حضنتني حضن باهت وقالت بهدوء كده:
«نشوف بقى الجوازة دي هتروح على فين».
بعد سنة واحدة، الدنيا اتقلبت.
إيثان جاله عرض ترقية كبير، بس كان معاه شرط إننا ننقل ولاية تانية خالص.
وقتها كنت حامل.
إيثان رفض الترقية.
اختارني… واختار ابنه اللي لسه ما جاش الدنيا.
أهله اتجننوا.
أبوه صرخ فيه وقاله:
«إنت كده بتضيع مستقبلك!»
وأمه قالتلي وأنا واقفة:
«إنتِ ماسكاه وراجعة بيه لورا».
وبعدها الرسالة جات… باردة وقاطعة:
«لو اخترتوا الحياة
وساعتها… بطلنا نترجى.
نقلنا بلدة صغيرة وهادية.
اشترينا بيت بسيط.
بقينا نملك حاجات أقل.
ونتخانق أقل.
ونضحك أكتر.
إيثان بدأ مشروعه من الصفر.
وأنا قعدت في البيت أربي بنتنا.
مكنّاش فخمين… بس كنا مرتاحين بجد.
خمس سنين عدّوا.
من يومين، عربية SUV سودا دخلت جراج بيتنا.
أهله نزلوا منها.
أمه قالت بصوت واطي:
«إحنا بس عايزين نتكلم… ومن حقنا نشوف حفيدتنا».
دخلناهم.
أول ما أبوه شاف بنتنا، وقف مكانه.
بص لها كويس، بلع ريقه، وما نطقش ولا كلمة.
وبعد شوية قال بصوت مكسور:
«ده… مش اللي كنا متخيلينه».
وبص لإيثان وسأله سؤال واحد بس…
سؤال غيّر كل حاجة.
إيثان ما ردش فورًا.
كان واقف قدام أبوه، كتافه مشدودة، وإيده على كتف بنتنا اللي كانت مستخبية وراه نص استخباية.
أبوه كرر السؤال… أبطأ المرة دي:
«إنت… مبسوط؟»
السؤال كان بسيط… بس تقيل.
مش عن الفلوس.
ولا المكانة.
ولا النجاح اللي
بس: مبسوط؟
إيثان بص حواليه.
على بيتنا الصغير.
على السجادة اللي بنتنا رسمت عليها بقلم شمع ومسيبتهاش تتغسل عشان «الرسمة دي مهمة».
على صورنا المعلقة على الحيطة—ضحكنا فيها عفوي، مش رسمي.
وبعدين بصلي أنا.
وابتسم.
ابتسامة هادية، واثقة… ما شفتهاش في وشه زمان.
وقال:
«آه.
أنا عمري ما كنت مبسوط كده قبل كده».
أمه حطت إيدها على بقها.
وعينيها امتلوا دموع.
أبوه قعد على الكنبة كأن رجليه خذلوه فجأة.
وبص على الأرض شوية… وبعدين قال بصوت مبحوح:
«إحنا كنا فاكرين إنك هتندم».
إيثان رد بهدوء:
«أنا كنت هاندَم… لو سمعتكم».
الصمت مالي الأوضة.
بس المرة دي… ما كانش صمت قطيعة.
كان صمت مواجهة.
أمه رفعت عينها ليّ أنا المرة الأولى بجد.
مش البصة الباردة القديمة…
بصة حد شايفني.
وقالت:
«إنتِ… عرفتي تخليه مبسوط».
هزيت راسي وقلت بهدوء:
«هو اللي اختار».
بصت لبنتنا—اللي كانت بتمسك لعبة محشوة مقطوعة الدراع—وسألت بخوف:
«ممكن…
إيثان ما ردش فورًا.
بصلي.
السؤال الحقيقي ما كانش عن القعدة.
كان:
هل في رجوع؟
ولا الجرح أعمق من كده؟
قربت من بنتنا وقلت لها:
«تحبي توريهم لعبتك؟»
بنتنا بصت لهم… بتردد.
وبعدين مدت اللعبة لأبوه.
هو خدها كأنها حاجة هشة جدًا.
وقعد على الأرض قدامها—مش على الكنبة.
وسألها بصوت مرتعش:
«اسمها إيه؟»
بنتنا قالت بفخر:
«لولو».
ابتسم… ابتسامة صغيرة جدًا… يمكن أول مرة يبتسم كده من سنين.
وفي اللحظة دي…
كان واضح.
هم مش جايين يفرضوا مستقبل تاني.
هم جايين يشوفوا… المستقبل اللي ضيعوه بإيديهم.
وبعد شوية، أبوه رفع عينه لإيثان وقال الجملة اللي ما حدش فينا توقعها:
«ممكن… نتعلم منكم؟»
إيثان سكت لحظة طويلة.
وبعدين قال:
«ممكن… لو جايين كعيلة.
مش كحكام».
أمه هزت راسها بسرعة… ودموعها بتنزل:
«كفاية علينا إننا نكون جزء… لو لسه ينفع».
بصلي إيثان مرة أخيرة.
ومسكت إيده.
وقلت بهدوء:
«ينفع… بس على مهَل».
ولأول مرة
حد من عيلته قعد على أرض بيتنا.
يشرب شاي عادي.
ويضحك على رسمة طفلة.
من غير شروط.
ومن غير مستقبل مرسوم.
بس… مع بعض.