كانوا مليونيرات

لمحة نيوز

كانوا مليونيرات… من كل ناحية باينة. البيت ورا بوابات حديد، مدخل أطول من الشارع اللي اتربيت فيه، والحيطان مليانة صور وجوايز من حفلات خيرية. الفلوس مش بس موجودة… الفلوس كانت لغة البيت.
بنتهم اسمها أوليفيا. عندها ست سنين.
وطول الوقت تعبانة.
حرارة تيجي وتروح من غير سبب واضح. معدتها دايمًا تعبانة. بتنام بصعوبة، تصحى وهي بتترعش، وتعيّط من وجع مش عارفة تشرحه. دكاترة متخصصين داخلين خارجين من البيت كل أسبوع. أدوية جديدة بتيجي في شنط بيضا مرتبة. ولا حاجة نافعة.
اتعيّنت ناني عشان عندي خبرة مع أطفال حالتهم الصحية حساسة. أول يوم شغل، سلّموني جدول أدوية متلوّن، سميك أكتر من كتاب.
الأم قالتلي: «امشي عليه بالحرف… إحنا ما بنخاطرش.»
ما جادلتش. راقبت.
راقبت أوليفيا وهي بتاكل، بتنام، بتلعب، وبعدين بتنسحب لوحدها. سجّلت الأعراض. حسبت المواعيد. بعد تالت يوم، بدأت ألاحظ نمط… حاجة بسيطة، بس ثابتة كفاية تخلّي قلبي يقبض.
أقوى النوبات ما كانتش بتيجي فجأة.
كانت بتيجي بعد تغيير الأدوية.
مش جرعات زيادة. مش نسيان. تداخلات.
كل دكتور كاتب علاج لوحده. مفيش تنسيق. مفيش حد وقف وبص على الطفلة ككل… مش على عرض واحد وخلاص.


آخر الأسبوع، رجعت بصّيت على الجدول تاني… على مهلي. بدقة.
قلبي وقع.
في دواين ما ينفعوش يتاخدوا مع بعض. ودوا تاني كان مغطّي أعراض جانبية باينة كإن المرض بيزيد. ودا عامل دايرة مقفولة… بتغذّي على نفسها.
طلبت أقعد مع الأب والأم.
كانوا مبتسمين… ابتسامة مجاملة، كأني بهزر. لحد ما اتكلمت.
قلت: «وقّفوا… كل ده.»
الدنيا قامت.
الأب قال بعصبية: «إنتِ ناني! إنتِ عارفة إحنا بندفع كام للدكاترة؟»
وش الأم احمر: «إزاي تتجرّئي وتقولي نوقّف علاج بنتنا؟»
إيدي كانت بتترعش… بس ما حوّلتش عيني.
قلت بهدوء: «لو سكتّ، بنتكم مش هتعيش.»
البيت كله سكت.
وفي اللحظة دي… كنت عارفة إن مفيش رجوع ورا.
1كملوا قدّامي وهم واقفين… اتنين اتعودوا إن كل باب في الدنيا بيتفتح بالفلوس أو الاسم.
وأنا… مجرد ناني، لابسة يونيفورم بسيط، وقلبي بيدق في وداني.
الأب اتكلم الأول، صوته بارد المرة دي:
«لو كلامك ده طلع غلط… إنتِ فاهمة ده معناه إيه؟»
كنت فاهمة. طبعًا فاهمة.
بس بصّيت ناحية أوليفيا. كانت على الكنبة، رجليها متنية تحتها، بترسم حاجة على ورقة… شمس كبيرة أوي، وبيت صغير جنبها.
جسمها كان نحيف زيادة عن طفل في سنها، وعينيها فيها تعب أكبر
من ست سنين بكتير.
قلت:
«ادّوني أسبوع. بس أسبوع واحد نوقّف فيه كل حاجة… ونرجع خطوة لورا. لو حالتها ساءت، رجّعوا كل الأدوية فورًا… وأنا أمشي.»
الأم ضحكت ضحكة قصيرة، عصبية:
«إحنا مش بنجرّب في بنتنا.»
وقبل ما أتكلم… صوت صغير قاطعنا:
«ماما… بطني بتوجعني تاني.»
لفّينا كلنا.
أوليفيا كانت حاطة إيدها على بطنها، ووشها شاحب فجأة، والورقة وقعت من إيدها.
أنا عارفة النوبة دي.
بتبدأ كده.
بعدين رعشة.
بعدين قيء.
بعدين حرارة.
قلت بسرعة:
«آخر دوا خدتُه إمتى؟»
الأم قالت: «من نص ساعة.»
أنا بصّيت على الجدول… وبعدين عليها.
قلت بهدوء: «ده التداخل اللي قلتلكم عليه.»
النوبة ضربت قدّامهم… كاملة.
أوليفيا اتكورت، بتعيّط، وبتقول: «خلوها توقف… خلوها توقف.»
الجملة دي كسرت حاجة في وش الأم.
مش شك… خوف.
خوف حقيقي.
الأب قال بصوت مبحوح:
«نعمل إيه؟»
لأول مرة… كان بيسألني بجد.
قلت:
«نوقف الجرعة الجاية. حالًا. ونكلم دكتور واحد بس… واحد يمسك الصورة كلها. وأنا هفضل معاها طول الليل.»
كان قرار ضد كل اللي متعودين عليه.
ضد الفلوس.
ضد السيطرة.
ضد فكرة إن العلاج دايمًا أكتر = أحسن.
بس وافقوا.
الليلة دي كانت طويلة.
أوليفيا نامت على
صدري بعد ما النوبة هدِت… جسمها سخن، ونَفَسها متقطع.
الأم كانت قاعدة على الأرض جنب السرير، ساكتة.
الأب واقف عند الباب، كأنه حارس… بس الحقيقة كان تايه.
الجرعة الجاية ما اتخدتش.
ولا اللي بعدها.
اليوم التاني… مفيش نوبة.
أول مرة من أسبوعين.
اليوم التالت… الحرارة ما رجعتش.
شهية بسيطة ظهرت.
ابتسامة صغيرة.
الأم كانت بتبص عليها كأنها شايفة بنتها لأول مرة من غير طبقات المرض.
في نهاية الأسبوع… الدكتور الجديد (الوحيد) خلص مراجعة كل الأدوية.
وقّف أكتر من نصهم.
وعدّل الباقي.
بصّ للأب والأم وقال جملة بسيطة:
«بنتكم ما كانتش بتتدهور… كانت بتتسمم ببطء من تداخلات دوائية.»
الصمت اللي حصل بعدها… كان أثقل من أي نوبة.
بعد شهرين…
أوليفيا كانت بتجري في الحديقة.
بتقع وتقوم وتضحك.
طفلة… بس.
الأم وقفت جنبي، قالت بهدوء:
«إنتِ أنقذتي حياتها.»
هزّيت راسي:
«لا… أنا بس وقفت حاجة كانت بتأذيها.»
سكتت شوية… وبعدين سألت:
«ليه ما خفتيش؟»
بصّيت على أوليفيا وهي بتضحك، وقلت:
«خفت.
بس هي كانت أهدى لما الألم يوقف…
وأنا ما قدرتش أكون جزء من ألم طفلة.»
بعدها بسنين…
وصلتلي كارت صغير بالبريد.
رسمة شمس كبيرة… وبيت جنبها.
وتحتهم مكتوب
بخط طفولي:
«للناني اللي خلت بطني تبطل توجعني.
بحبك.
– أوليفيا»
والجملة الأخيرة… كانت متلونة بأقلام كتير:

تم نسخ الرابط