أنا مش قادره
أنا مش قادرة حتى ألاقي شغل محترم"
قالت أختي بسخرية وهي بتضحك ضحكة ناشفة، وبتخبط الشوكة في الطبق.
وطبعًا… كانت بتبصلي.
حدفت راسي في الأرض وسكت.
زي كل مرة.
عشا يوم الأحد كان دايمًا مسرحها المفضل.
أمي كانت قاعدة على يميني، وأبويا على شمالي، الاتنين عاملين نفسهم مركزين في الأكل، بس في الحقيقة ساكتين موافقة.
أمي ابتسمت الابتسامة الضيقة اللي حافظاها—اللي معناها: لو سمحتي ما تكبريش الموضوع.
أبويا كحّ شوية… وما قالش حاجة.
وأنا؟
دوري معروف.
الساكتة.
الأقل إنجازًا.
خيبة الأمل اللي "عمرها ما رفعت سقف طموحها كفاية".
أختي، راشيل، كانت بتحب الألقاب.
محتاجة تحط لنفسها لافتة دايمًا:
الناجحة.
الأذكى.
المديرة التنفيذية المستقبلية.
كانت بتلبس الطموح زي الدرع، وبتتأكد إن كل اللي حواليها شايفينه.
الليلة دي كانت منشطة زيادة عن اللزوم.
قالت وهي مفرودة في الكرسي:
"عندي مقابلة شغل بكرة."
وبنبرة فخر:
"منصب استراتيجي تقيل. شركة كبيرة. فلوس بجد."
وبصّتلي تاني:
"غالبًا عمرك ما سمعتي عنها."
هزّيت راسي بأدب.
الحقيقة؟
أنا عارفة الشركة دي كويس أوي.
أنا كنت جزء من بنائها.
بس ما
راشيل سندت ضهرها، مبسوطة بنفسها:
"مش كل الناس بتشتغل بجد بدل ما تستخبى ورا هري الشغل الحر."
هري الشغل الحر.
ده الاسم اللي كانت بتطلقه على شغلي الاستشاري…
اللي بعمله بهدوء، أونلاين، من غير ألقاب، من غير بوستات لينكدإن، من غير شو.
شغل بيصرف عليّ كويس، مخليني عايشة مرتاحة، بستثمر بهدوء…
وأهم حاجة:
مش ظاهرة.
أمي وأبويا ابتسموا لها بفخر.
أمي قالت:
"حظًا سعيدًا بكرة. دي لحظتك."
خلصت أكلي، وقفت، ولمّيت طبقي.
قلت بهدوء:
"حظًا سعيدًا."
راشيل ابتسمت ابتسامة نصر:
"يمكن في يوم من الأيام تفهمي يعني إيه مهنة حقيقية."
ما رديتش.
لأني كنت عارفة كويس أوي…
إزاي شكل بكرة هيبقى.
وعرفت حاجة واحدة هي ما كانتش تعرفها…
صحيت بدري.
مش من التوتر.
أنا ما بتوترش من المقابلات بقى لي سنين.
صحيت بدري عشان عندي اجتماع.
مش مقابلة.
اجتماع مجلس الإدارة.
قعدت على طرف السرير دقيقة، أبص للنور اللي داخل من الشباك، وأفكر قد إيه الحياة بتلف لفات غريبة.
إزاي نفس الناس اللي شايفينك صغيرة…
ممكن يكونوا آخر ناس يعرفوا حجمك الحقيقي.
لبست بدلة بسيطة. كحلي.
نفس البدلة اللي حضرت بيها صفقات
من غير أي شعار. من غير أي استعراض.
ربطت شعري.
حطيت ميكاب خفيف.
وبصيت في المراية.
مش شايفة “الساكتة”.
شايفة حد بنى نفسه من الصفر…
ومن غير تصفيق.
في نفس الوقت تقريبًا…
راشيل كانت واقفة قدام المراية بتاعة أوضتها، بتجرب ابتسامات.
ابتسامة الثقة.
ابتسامة الذكاء.
ابتسامة “أنا أهم حد في الأوضة”.
لبست بدلة جديدة لسه بالتيكيت.
كعب عالي.
عطر تقيل.
المقابلة دي كانت بالنسبة لها لحظة إثبات.
اللحظة اللي هتأكد لكل العيلة إنها… الأفضل.
وصلت الشركة قبلها بربع ساعة.
المبنى الزجاجي كان لسه هادي، الصبح بدري.
الأمن سلّم عليّ باسمي.
“صباح الخير يا فندم.”
ابتسمت:
“صباح النور.”
طلعت الدور التنفيذي.
نفس الدور اللي اشتغلت فيه سنين…
بس المرة دي، مش كاستشارية خفية.
السكرتيرة قامت فورًا:
“صباح الخير يا أستاذة.”
“صباح النور. الكل وصل؟”
“كلهم في القاعة… مستنيين حضرتك.”
هزّيت راسي:
“تمام.”
وقبل ما أدخل…
لمحت حركة عند الاستقبال.
راشيل.
واقفة، ماسكة ملف، وبتتكلم بثقة مع موظفة الموارد البشرية.
ضحكتها أعلى من اللازم شوية.
توتر متغلف في استعراض.
ما شافتنيش.
طبيعي.
آخر حاجة
إني أنتمي للمكان ده.
دخلت قاعة الاجتماع.
كلهم وقفوا.
“صباح الخير.”
ردّوا:
“صباح الخير.”
قعدت على الكرسي الرئيسي.
كرسي المدير التنفيذي.
لسه الإحساس ده جديد عليهم…
بس مش عليّ.
بعد نص ساعة…
الموارد البشرية دخلت عليّ بهدوء:
“مرشحة المقابلة الاستراتيجية وصلت.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة:
“خلوها تدخل.”
راشيل دخلت.
بخطوات محسوبة.
ضهر مستقيم.
نظرة واثقة.
وبعدين…
شافتني.
اللحظة دي…
كان لها صوت.
مش صوت مسموع.
بس أنا سمعته.
صوت حاجة بتتكسر جوّاها.
عينها وسعت.
خطوة وقفت في نصها.
العقل بيحاول يلحق الصورة الجديدة بالقديم.
أنا.
على رأس الطاولة.
وكل العيون…
عليّ أنا.
حد من اللجنة قال بلطف:
“اتفضلي يا آنسة راشيل، اقعدي.”
قعدت ببطء.
نظرتها ما سابتنيش.
وأنا…
كنت هادية زي دايمًا.
مدير الموارد البشرية بدأ:
“زي ما حضرتِ عارفة، المنصب ده هيكون تحت الإشراف المباشر للمدير التنفيذي.”
وسكت ثانية…
وبصلي.
“الأستاذة …”
قال اسمي.
نفس الاسم اللي اتقال على سفرة العشا…
بنبرة شفقة.
بس هنا…
اتقال باحترام.
بثقل.
بسلطة.
راشيل بلعت ريقها.
“حضرتك… هنا؟”
ابتسمت ابتسامة هادية:
“أيوه.
سكتت ثانية، وسيبت الحقيقة تستقر.
“أنا هنا بقالى فترة.”
الصمت في القاعة كان تقيل.
مش عليهم.
عليها هي.
المقابلة بدأت.
وراشيل…
أول مرة في حياتها…
ما كانتش أذكى حد في الأ