أمي صرخت
أمي صرخت وهي ماسكة في شعري، وفجأة زقّت راسي بعنف ناحية لهب بوتاجاز الغاز.
كل ده عشان رفضت أديها مبلغ ١٢ ألف جنيه، كنت محوشاهُم بالعافية عشان يبقوا دفعة أولى لبيت بحلم بيه.
قالت إنها عايزة «تعلّمني الأدب».
ما كانتش تعرف إن اللحظة دي حرقت آخر خيط بيني وبينها، وحولتني لأسوأ كابوس ممكن يطاردهم.
اسمي مني ، وطول عمري كنت فاكرة إن الوقوف مع العيلة معناه أبلع الوجع وأسكت.
عندي 32 سنة، بشتغل شغلتين، وقدرت أخيرًا أوفّر ١٢ الف جنيه المبلغ مش ضخم، بس كان بتاعي.
كل ساعة شغل زيادة، كل إجازة ماخدتهاش، كل أكلة رخيصة رضيت بيها… كانوا بيودّوني للرقم ده، الرقم اللي حسّسني بالأمان.
أختي الصغيرة، ليلي ، عمرها ما عاشت بالطريقة دي.
كانت دايمًا البنت المدللة.
أمي سلمي ، كانت بتغرقها مدح ودلع ، وأنا ما كانتش شايفة فيّ غير الغلط.
ولما ليلي أعلنت خطوبتها، أمي اتقلبت لشخص مهووس بالمظاهر:
قاعة فخمة، فستان من مصمم، ورد مستورد، أبراج شمبانيا…
حاجات ليلي أصلًا ما تقدرش تدفع تمنها.
في ليلة من الليالي، أمي حاصرتني في المطبخ.
بدأت كلامها بهدوء مصطنع:
«العيلة بتقف جنب بعض»
وبعدين فجأة، وبنبرة أمر:
«هتديني الفلوس كلها… ده أهم يوم في حياة أختك»
قلت لها وأنا بحاول أتماسك:
«لا. الفلوس دي مستقبلي… أماني… طريقي إني أطلع من اللي أنا فيه ده»
وشها اتغيّر في ثانية.
صرخت:
«إنتِ أنانية! جاحدة! وعمرك ما حبيتي
وقبل ما أفهم إيه اللي بيحصل، شدّت شعري جامد، وزقّت راسي ناحية لهب البوتاجاز.
اللهب الأزرق كان على بُعد سنتيمترات من وشي.
قلبي كان هيطلع من صدري، ريحة الغاز والحرارة خنقوني، وهي كانت بتهمس بصوت مليان قسوة:
«لازم أعلّمك الأدب»
اتجمّدت من الرعب.
في اللحظة دي فهمت إن أمي ممكن تقتلني بجد.
لمّت اللي باقي من قوتي، زقّيتها بعيد، فوقع إناء على الأرض واتكسر.
هي رجعت لورا وهي بتنهج، وبعدين صرخت:
«اطلعي برا! ولما تتعلمي الاحترام ابقي ارجعي»
طلعت وأنا بترعش، فروة راسي بتوجعني ، وكل ثقة كانت جوايا اتكسرت ومارجعتش.
الليلة دي، قعدت لوحدي في العربية، وفهمت الحقيقة كاملة.
الفلوس ما كانتش أهم حاجة بالنسبة لها.
اللي كانت عايزاه بجد… هو السيطرة.
ولما قلت لا، حرقت آخر جسر بيني وبينها.
اللي ما كانتش تعرفه…
إن اللحظة دي كانت بداية انهيار كل حاجة في حياتها وووو.........
إن اللحظة دي كانت بداية انهيار كل حاجة في حياتها.
قعدت في العربية ساعات، المحرك طافي، والهوا تقيل كأنه واقف. إيدي كانت لسه بترتعش، وشعري بيوجعني كل ما ألمسه، بس الألم الحقيقي كان أعمق… كان في مكان جوه صدري عمري ما حسيت بيه قبل كده.
إدراك مرعب: أنا ماعنديش أم.
مش بالمعنى الحرفي… لكن بالمعنى اللي كنت متعلقة بيه طول عمري. الصورة اللي كنت بدافع عنها، وبكذب على نفسي عشانها، اتحرقت قدام عيني زي ما كان وشي هيحصل له من شوية.
فتحت
ضحكت… ضحكة غريبة، ناشفة. أنا اللي كنت على بُعد ثواني من إني أتحرق… وهي «منهارة».
ما رديتش.
بدل كده، فتحت تطبيق البنك. بصيت على الرصيد: ١٢٬٠٠٠ جنيه.
كنت فاكرة إن الرقم ده هو الأمان. بس في اللحظة دي فهمت… الأمان الحقيقي هو إني أبعد.
دورت على شقة إيجار صغير. حاجة رخيصة، دور أرضي، في حي شعبي بعيد عن منطقتنا. حجزتها تاني يوم. دفعت مقدمها تقريبًا كله من الفلوس.
وأول مرة في حياتي… نقلت من بيت أمي من غير إذن.
أول أسبوع كان صعب بشكل وحشي.
كل حاجة لوحدي: الأكل، الغسيل، الفواتير، النوم في سكون غريب. مافيش صوتها بتناديني. مافيش توتر في الجو. مافيش حد بيراقبني.
الهدوء كان مرعب.
كنت بصحى فجأة مفزوعة، متخيلة إيد بتشد شعري. كنت بشم غاز في أوهام النوم. الدكتور قال إنها صدمة.
آه… صدمة. كلمة صغيرة، بس بتفسر إزاي المخ بيعيش الحدث تاني وكأنه بيحصل دلوقتي.
بعد شهر…
أمي بعتتلي رسالة: «الناس بتسأل عليكي. إنتِ فضحتينا»
ما قالتش: وحشتيني. ولا: إنتِ كويسة؟
بس: فضحتينا.
مسحت الرسالة. وما رديتش.
بعد ٣ شهور…
وصلني خبر من قريبة: خطوبة ليلي اتلغت.
العريس انسحب فجأة. قال إن «الطلبات بقت كتير ومبالغ فيها».
ابتسمت بحزن. مش شماتة… حقيقة.
أمي كانت عايزة حفلة أكبر من حياتهم كلهم. وعلشانها… خسرتهم.
بعد ٦ شهور…
كنت
راحة.
الراحة اللي بتيجي لما تعرف إن محدش يقدر يلمسك. ولا يهددك. ولا يكسر حدودك.
بصيت في المراية. آثار شد الشعر كانت اختفت. بس في حاجة في عينيّ اتغيرت.
قوة هادية… باردة… وواضحة.
أنا نجيت.
وبعدين في يوم…
رن جرس الباب.
فتحت.
أمي واقفة.
شكلها أصغر. مش أضعف… أصغر. كأن السيطرة اللي كانت بتغذيها اختفت.
بصت حواليها باحتقار: «ده المكان اللي اخترتيه؟»
سكتُّ.
قالت: «إنتِ دمرتي بيتك بإيدك»
أخدت نفس بطيء. وقلت بهدوء ما عرفتش منين جالي:
«لا. أنا خرجت من بيت ماكانش آمن.»
ارتبكت للحظة. وبعدين رجعت لنبرتها القديمة: «ارجعي. كفاية تمثيل»
هزيت راسي: «مش هرجع»
صوتها على: «أنا أمك!»
وهنا… ولأول مرة في حياتي… ما حسّتش بالخوف.
قلت: «الأم ما بتحرقش بنتها»
الصمت وقع بينا تقيل.
وشها شدّ. عينها لمعت بغضب مألوف.
لكن المرة دي… مافيش طفلة قدامها.
بس ست.
همست: «هتندمي»
ابتسمت ابتسامة خفيفة: «ممكن»
وبعدين قلت الحقيقة اللي غيرت كل حاجة:
«بس الندم أهون من إني أعيش تحت إيدك»
سابتني ومشيت.
والمرة دي… أنا ما انهرتش بعدها. ما جريت وراها. ما بكيتش.
قفلت الباب.
وسندت ضهري عليه.
وغمضت عيني.
والإحساس اللي جهني كان غريب… وجديد…
حرية.
الناس بتقول إن أسوأ كابوس للأهل هو إن أولادهم يبعدوا.
بس الحقيقة أعمق من كده.
أسوأ كابوس
اسمي منى.
وعمري ما كنت أنانية.
أنا بس… أخيرًا… أنقذت نفسي