أهلي دفعوا
أهلـي دفـعوا 260 ألف جـنيه مـصاريف جامـعة لأختـي الـتوأم وقـالولي بصـراحة:
إنتِ مش استثمار مفيد يستاهل...
مجادلتش… خرجت من الصالة يومها، واشتغلت شيفت في قهوة للساعة 5 الفجر سنين…
وفي يوم التخرج رئيس الجامعة وقف الكلام فجأة وبص للورق وقال بهمس:
هو الكلام ده حقيقي؟
17 مايو – الساعة 8 الصبح
ملعب الجامعة كان مليان دوشة وحماس… صوت الأهالي، صور، ورد، ضحك.
بابا كان لابس بدلته الكحلي ورافع الكاميرا الكبيرة بتاعته كأنه هيصور لحظة تاريخية.
ماما قاعدة جنبه ماسكة بوكيه ورد اشترته لأختي، وبتبتسم لأي حد يعدي كأن كل حاجة طبيعية.
أنا؟
كنت قاعدة بعيد عن المنصة بشوية… إيدي متشابكة، وشاح دهبي مستخبي تحت روب التخرج، وميدالية برونزية ساقعة على صدري.
من 4 سنين، كل حاجة بدأت في يوم عادي في الصالة.
خطابات القبول كانت على الترابيزة.
بابا كان قاعد على الكرسي الجلد وقالها كأنه بيعلن قرار ميزانية:
— منة عندها مستقبل.
وبعدين بصلي وقال:
— إنتِ شاطرة يا فريدة… بس مفيش عائد استثمار فيكِ.
ماعيطتش ساعتها.
ولا حتى
الساعة 2 الفجر كنت قاعدة على أرض أوضتي بكوباية نودلز فورية… بدور على منح دراسية كأن حياتي واقفة عليها.
لأنها كانت فعلًا واقفة عليها.
ما كنتش بدور على تصفيق… كنت بدور على باب أخرج منه.
سنة أولى كانت عبارة عن منبهات وإيصالات:
شغل 5 الفجر في كافيه، ريحة قهوة محروقة في شعري، ومذاكرة لحد عيني تبطل تركز.
لما مؤسسة كبيرة طلبت المقابلة النهائية في القاهرة…
اشتريت تذكرة أتوبيس رخيصة، سافرت طول الليل، ومشيت الفجر بجاكيت مستعملة وزرارها مفكوك… وكنت بقول لنفسي:
مش لازم أبقى مثالية… بس لازم أثبت نفسي
ساعتها قابلت دكتورة نادية.
أول حد كبير يشوف جوعي وما يهربش منه.
رجعتلي البحث وقالت بهدوء:
— ده أحسن شغل طالبة شفته من 20 سنة.
حاولت أضحكها وخلاص… لكنها قالت:
— سيبيني أساعدك تشوفي قدامك.
وساعتها حاجة جوايا ركبت مكانها.
قبل التخرج بـ3 أسابيع، أختي لقتني في مكتبة الجامعة.
قالت بدهشة:
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟
قلت الحقيقة اللي عمري ما قلتها:
— ماما وبابا مايعرفوش.
المرة دي ما ردتش… بس بصتلي نظرة طويلة وساكتة.
رجعنا ليوم التخرج.
منسقة الحفل قربت مني وبصت على الوشاح بتاعي، وبعدين على الورق اللي في إيدي. وشها شحب وقالت:
— أستاذة فريدة… لو سمحتي استني. في ورقة أخيرة لازم توقعيها قبل البث المباشر.
ورا الستارة، باب اتفتح… والمايك عمل صوت خفيف كأنه بيصحى.
رجع رئيس الجامعة للمنصة وابتسم وقال:
— والآن يشرفني أقدم لكم طالبة العام…
بابا رفع الكاميرا ناحية أختي… مش واخد باله إن العدسة متوجهة لمستقبل تاني خالص.
وفجأة… الملعب كله سكت..
تفتكروا شافوا ايه...
وفجأة… الملعب كله سكت.
رئيس الجامعة كان ماسك الورقة بإيده، وبص لها تاني كأنه بيتأكد إن الاسم مكتوب صح.
وبصوت أهدى من الأول قال:
— الطالبة الأولى على الدفعة… والحاصلة على أعلى تقدير تراكمي في تاريخ الكلية…
… فريدة حسن عبد الرحيم.
ثانية صمت عدت… كأن الاسم عدى فوق الناس وما لحقوش يمسكوه.
وبعدين…
المدرجات انفجرت تصفيق.
أنا؟
ما اتحركتش.
رجلي كانت تقيلة… وقلبي
حسيت إن في حد بيمسك كتفي برفق.
الدكتورة نادية.
همستلي:
— اطلعي… دي لحظتك.
أول خطوة كانت غريبة… كأني بمشي في حلم قديم.
تاني خطوة… التصفيق علي.
تالت خطوة… شفت بابا.
كان واقف.
الكاميرا نازلة في إيده… وعدستها موجهة للأرض.
وشه… مش مصدوم.
مش فرحان.
كان فيه حاجة أعمق… حاجة بين الاتنين… كأن كل السنين اللي فاتت وقعت مرة واحدة قدامه.
ماما كانت حاطة إيدها على بقها… والورد وقع من حجرها من غير ما تحس.
وأختي؟
كانت بتبصلي… نفس النظرة اللي شفتها في المكتبة.
بس المرة دي كان فيها دموع.
طلعت على المنصة.
رئيس الجامعة سلّم عليّ بإيدين الاتنين، وقال بصوت مسموع للمايك:
— أحيانًا… أعظم الاستثمارات… هي اللي محدش بيصدق فيها.
المدرجات رجّت.
لبسوني وشاح التفوق… الدهبي بقى واضح فوق الروب الأسود.
الميدالية البرونزية اللي كانت ساقعة… بقت دافية على صدري.
وأنا واقفة قدام آلاف الناس…
أول حد دورت عليه بعيني… كان بابا.
لقيته.
واقف… بيحاول يرفع الكاميرا تاني.
بس إيده كانت بتترعش.
عدستها المرة دي… كانت
ابتسمت.
مش ابتسامة انتصار.
ولا شماتة.
ابتسامة واحدة بس بتقول:
أنا استثمرت في نفسي… ونجحت.