مريم

لمحة نيوز

مريم ماكنش في بالها أبداً إنها تبعت رسالة لواحد من أغنى أغنياء البلد.. كل اللي كان شاغل بالها في اللحظة دي 
إن ابنها يبطل عياط. كانت الساعة عدت نص الليل،
في الوقت ده بالذات البرد بيبقى تقيل، والمدينة كلها 
كأنها حابسة أنفاسها. مريم كانت قاعدة على أرضية المطبخ في شقتها الضيقة، لامة رجليها لصدرها، ولابسة شال قديم ومتهالك عشان يدفيها.
الأنوار كانت مطفية، مش حب في الضلمة، لكن لأن شركة الكهرباء مابتعرفش الرحمة وماعندهاش نظام "التأجيل".
ومن الأوضة اللي جوه، كان صوت ياسين ابنها وهو بيعيط بيقطع في قلبها. الرضعة بتاعته النهاردة كانت عبارة عن شوية لبن قليلين والباقي مية.. مريم حاولت تهرب بعينها من علبة
اللبن الفاضية اللي مرمية على الرخامة، 
ومسكت تليفونها بإيد مرعوشة، وصباعها واقف
فوق رقم أخوها.
أخوها "باسم" ساعدها قبل كدة، بس مكنش بيبقى مبسوط وهو بيعمل ده. كانت شايلة هم السؤال
وكسرة النفس، بس الليلة دي مكنش فيها مجال للكبرياء؛ الليلة دي فيها طفل مش فاهم ليه بطنه بتوجعه من الجوع. كتبت:
"يا باسم، أنا آسفة إني بضغط عليك تاني.. محتاجة 500 جنيه ضروري عشان اللبن، العلبة خلصت خالص
. هقبض يوم الجمعة وهارجعولك والله، أرجوك ساعدني."
إيدها كانت بتترعش وهي بتدوس "إرسال".
ما راجعتش الرقم، ولا حتى بصت

على الاسم. رمت التليفون جنبها، وسندت راسها على ركبها واستنت.. وبعد خمس دقائق، التليفون اتهز
"أظن إنك كنتِ تقصدين إرسال هذه الرسالة لشخص آخر."
مريم بربشت بعينيها، وقعدت مخضوضة، مسكت التليفون وفضلت تبص له برعب. غلطة في رقم واحد بس!!!!...
هي بعتت الرسالة لواحد غريب تماماً. قلبها قبضها
وكتبت بسرعة:
"أنا بعتذر جداً.. أرجوك تجاهل الرسالة، ده رقم غلط."
قفلت الشاشة، ورمت الموبايل بعيد، 
ولفّت الشال حواليها أكتر وهي حاسة إنها فشلت 
مرة تانية في ليلة واحدة.
على بعد تلات شوارع بس، و في الدور الأخير بيطل على  جمال المدينة، كان "ياسين المنصوري" بيبص في تليفونه الخاص. الرقم ده مكنش مع حد خالص، لا صحافة ولا موظفين، الرقم ده للعيلة بس.. والقائمة دي كانت 
بتقل سنة ورا تانية.
الرسالة ماكنتش "سبام" ولا نصب.. كانت حقيقية وصادقة جداً. ياسين قرأ الرسالة تاني، وبص للي مكتوب بين السطور:
"العلبة خلصت خالص.. هقبض يوم الجمعة."
ده مكنش مجرد طلب مساعدة، دي كانت أم بتحاول تساوم على كرامتها عشان خاطر ابنها. كان المفروض يمسح الرسالة وينسى، وفي ليالي كتير تانية كان فعلاً هيعمل كدة، بس المرة دي عمل حاجة تانية خالص.. كتب رد:
"هل سيكون طفلك بخير؟"
مريم فضلت متنحة في الرسالة.. "مين الغريب ده اللي بيسأل بالشكل ده؟
". أول حاجة فكرت فيها إنها تعمل "بلوك"، بس في حاجة في السؤال، في بساطته، خلتها تقف وتفكر. كتبت:
"هنتصرف.. شكراً."
وبعد ثواني، جالها رد غيّر مسار الليلة:
"أنا أستطيع المساعدة."
وووووو....
مريم قعدت تبص للرسالة كأنها مش مكتوبة ليها.
"أنا أستطيع المساعدة."
جملة بسيطة… لكنها كانت تقيلة عليها بشكل غريب. قلبها اتلخبط بين خوفها من الناس، وخوفها الأكبر من صوت عياط ياسين اللي بدأ يعلى تاني من جوه الأوضة.
كتبت بإيد مترددة:
"أنا متشكرة… بس حضرتك ماتعرفنيش، وأنا كمان ماعرفكش. مش حابة أسببلك إزعاج."
الرد جه سريع:
"مش إزعاج. ابعتيلي عنوان أقرب صيدلية ليكي."
وقفت مريم شوية… بصت حوالين المطبخ الضلمة… للرخامة الفاضية… للعلبة اللي مافيهاش ولا معلقة لبن.
سمعت شهقة صغيرة طالعة من ابنها… ساعتها بس قررت تبعت اسم صيدلية صغيرة في أول الشارع، وهي مش مصدقة نفسها.
مرت عشر دقايق… عشر دقايق كانوا أطول من الليل كله.
فجأة… الموبايل رن. رقم غريب.
– "مدام مريم؟ مع حضرتك صيدلية الأمل… في طلب لبن أطفال مدفوع… حد قال إنك هتعدي تستلميه."
سكتت… لثواني… مش قادرة تنطق.
– "ألو؟ مدام؟"
– "أيوه… أيوه… أنا جاية حالاً."
لبست الشال بسرعة، شالت ياسين ولفّته كويس، ونزلت السلم وهي حاسة إن رجليها مش شايلها.
الشارع كان هادي… والبرد قارس… بس لأول
مرة الليلة دي، قلبها كان فيه حاجة دافية.
الصيدلي ابتسم لها وهو بيحط قدامها شنطة كبيرة.
– "مش علبة واحدة… ده شهر كامل."
– "إزاي؟… أنا… أنا ماطلبتش…"
– "اللي دفع قال: دي بداية بس."
رجعت الشقة، حضّرت الرضعة بإيدين بترتعشوا… وياسين سكت أخيراً وهو بيشرب… وسكون غريب ملأ المكان.
قعدت مريم تبص له… ودموعها بتنزل بهدوء… دموع ارتياح… مش كسر.
مسكت الموبايل… وكتبت:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي… بس ليه بتعمل كدة لواحدة ماتعرفهاش؟"
الرد اتأخر شوية… وبعدين وصل:
"لأن في وقت ما… حد غريب ساعدني… وأنا كنت محتاج جداً. يمكن دي طريقتي أرد الدين."
فضلت تبص للرسالة… تحاول تتخيل الشخص اللي ورا الكلمات دي… الغريب اللي دخل حياتها في أسوأ ليلة… وغير نهايتها.
بس اللي مريم ماكنتش تعرفه… إن على الناحية التانية… الراجل اللي بعت المساعدة كان قاعد لوحده في شقته الكبيرة… بيبص لصورة قديمة لطفل صغير… وصوت في قلبه بيهمس:
"يمكن… المرة دي… أعمل حاجة صح."
قفل الموبايل… لكن عينه فضلت على الشاشة… مستني رسالة تانية منها… بدون ما يعترف لنفسه إنه لأول مرة من سنين… حاسس إن في حد حقيقي… مش طالب منه فلوس… ولا شهرة… ولا مصالح…
بس محتاج إنسان.
ومريم… وهي نايمة جنب ابنها بعد ما شبع أخيراً… كانت مش عارفة إن غلطة رقم واحد… كانت بداية حكاية أكبر بكتير من
ليلة جوع…
بداية طريق… هيغيّر حياة الاتنين… بطرق محدش فيهم كان يتخيلها.

تم نسخ الرابط