كنت بموت

لمحة نيوز

كـنت بمـوت في العنايـة المركزة وكـلمت أهلـي 14 مـرة… وهـم تجاهلونـي علـشان أختـي كانت عاملـة أزمـة بسـبب لـون الدهـان. فـقررت أكلـم المـحامي بدالـهم......

أصـل الحـكاية
آخر حاجة فاكراها قبل ما الدنيا تسودّ في عيني كانت طعم "صدأ" في بقي.. وموبايل بيترعش في إيدي وكأنه بيصرخ بيطلب النجدة......

كنت راجعة من الشغل، وفجأة مقطورة كسرّت الإشارة.. مالحقتش حتى ألمس الفرامل.
فوقت بعد يومين في العناية المركزة....
أجهزة.. خراطيم.. قفص صدري محطم ومتربط بالعافية.. وماسك أكسجين كأنه بيفكرني إن النفس اللي داخل مابقاش مضمون.....

الممرضة "هالة" ميلت عليا وقالت بصوت واطي: "حمد الله على سلامتك يا مدام نيرمين.. إنتي كتبلك عمر جديد"....

بس "نصيبك وقدرك" ماكانش مفسر الوجع اللي في قلبي..
ولا مفسر الضباب اللي في عقلي..
ولا مفسر ليه أول إحساس جالي ماكانش الراحة إني لسه عايشة.. كان "الرعب".....

لأني لحد اللحظة دي.. ماشفتش أهلي.
طلبت الموبايل.
هالة ترددت، وبعدين ادهولي بحرص وكأنه حتة كريستال خايفة تتكسر.
إيدي كانت مشلولة تقريباً، بس غصبت نفسي أفتح السجل.
8 مكالمات لماما..
6 لبابا.....
3 رسايل صوتية بوجع قلبي..
محدش رد.

زوري اتقبض لدرجة وجعتني أكتر من ضلوعي المكسرة.
أهلي من النوع اللي بيقيموا الدنيا لو ماردتش عليهم في ظرف دقيقة.. ببقى وقتها "مهملة" و"قليلة الذوق"....

ودلوقتي.. بنتهم الكبيرة بين الحيا والموت في العناية.. وهما "فص ملح وداب".
الممرضة قالت لي إنهم اتصلوا مرة واحدة بس.. سألوا "حالتها مستقرة؟".. وبعدين قفلوا.

تـاني يـوم
"سارة" صاحبة عمري دخلت عليا،

عينيها حمرا وإيديها بتترعش من الغضب....

قعدت جنبي وحكت لي اللي شافته في بيت أهلي.
أختي الصغيرة "هنا" كانت منهارة.. مش عشاني.. لأ، عشان بابا وماما مش موافقين على درجات "الأوف وايت" اللي اختارتها لدهان شقتها الجديدة!

سارة قالت لي وصوتها بيترعش من القهر: "أختك كانت بتصوت عشان الفرق بين السكري والبيج.. 
وأمك بتقولها:
اهدي يا حبيبتي، مفيش أغلى من القرايب.. العيلة أولاً!"
في اللحظة دي حسيت الأوضة بتلف بيا.
العيلة أولاً؟
واضح إني مكنتش "عيلة" في القاموس بتاعهم...

حاولت أتصل تاني.. مفيش فايدة.
سيبت رسالة أخيرة وصوتي طالع بالعافية من تحت ماسك الأكسجين:
"ماما.. بابا.. أنا خايفة.. أرجوكم تعالوا".
الساعات مرت.. ومحدش جه.
بليل، الدكتور دخل يشرح لي المضاعفات ببرود كأنه بيقرأ نشرة أخبار.....

الرئة مش بتلم.. ومحتاجة جراحة تانية فوراً.
بصيت للسقف وإيدي بتترعش، حصري على صفحة روايات و اقتباسات وفي حقيقة باردة زي التلج استقرت في عقلي:
لو مت الليلة دي.. هييجوا يمثلوا دور الحزن قدام الناس، وهيرموا اللوم على المستشفى....

الممرضة سألتني بحنية: "أكلمهم لك تاني؟"
هزيت راسي بـ "لأ".
وبدلهم.. كلمت حد تاني خالص.
المحامي بتاعي.. "الأستاذ رأفت".
لما قولتله بصوت واطي: 
"عايزاك تجيلي العناية الصبح فوراً"،
نبرة صوته اتغيرت وبقت حاسمة.

لأنه فهم اللي أنا فهمته متأخر:
دي مش مجرد أزمة صحية.. دي اللحظة اللي قررت فيها إني مابقاش "الخيار الأخير" في حياة حد.
تاني يوم الصبح، الأستاذ رأفت دخل الأوضة ومعاه شنطة ملفات تقيلة تخوف.
حتى الممرضة استغربت من المنظر.
وفجأة.

. الموبايل نور.
"ماما بتتصل".

دلوقتي بس.. افتكروا إن ليا وجود.
بصيت للشاشة تلات ثواني.. ورديت.
صوتي كان هادي.. وهدوئي كان مرعب.

"أهلاً يا ماما".
صوتها طلع مندفع وكله تمثيل: "يا بنتي إحنا كنا قلقانين عليكي جداً! إحنا جايين في الطريق حالاً.."

قاطعتها بمنتهى الأدب:
"ماتيجيش لوحدك.. هاتي بابا معاكي.. وهاتوا بطايقكم".
سكتت لحظة.. فكملت كلامي وكأنه تحذير:
"فيه ورق لازم يمضي عليه "شهود" قدام المحامي بتاعي.. حالاً".
ساعتها بس سمعت اللي كنت مستنياه.
ماسمعتش لهفة.. ولا حب.
سمعت "خوف".
لأنهم كانوا على وشك يتعلموا درس مكنوش يتخيلوه:
إن الإهمال له تمن..
والمرة دي.. أنا اللي هحدد التمن ده....
دخلوا بعد ساعة تقريباً.
ماما قدّام… وشها شاحب بس عينيها بتلف في الأوضة أكتر ما بتبصلي.
بابا وراها ساكت… وواقف جنب الباب كأنه ضيف مش عارف يقعد ولا يمشي.
الأستاذ رأفت قفل اللابتوب وبص لهم بابتسامة هادية…
النوع اللي يخلي أي حد يحس إنه دخل امتحان مفاجئ.
ماما حاولت تمسك إيدي:
"يا بنتي وحشتينا… إنتي كويسة؟"
سحبت إيدي بالراحة… مش بعنف… بس بحزم.
وقلت بهدوء غريب حتى عليا:
"خلينا نخلص الورق الأول".
الهدوء ده كان أوقع عليهم من أي صريخ.
المحامي بدأ يشرح:
"مدام نيرمين قررت تعمل توكيلات طبية ومالية جديدة… وتكتب وصية احتياطية… في حالة — لا قدر الله — حصلت مضاعفات".
ماما قاطعت بعصبية:
"يعني إيه؟ إحنا أهلها!"
بصيت لها لأول مرة في عينيها وقلت:
"الأهل بييجوا لما بنتهم تبقى بتموت… مش لما المحامي يطلبهم".
الصمت وقع تقيل…
حتى صوت الأجهزة بقى واضح أكتر.
بابا أخيراً اتكلم… بصوت واطي:
"

إنتي زعلانة… وعندك حق… بس إحنا…"
وقفت كلامه بإشارة من إيدي:
"أنا مش بعاتب… أنا بقرر".
الأستاذ رأفت قرّب الأوراق.
الشهود كانوا سارة… والممرضة هالة…
ناس حضروا وجعي… مش مجرد اسمي في بطاقاتهم.
وقّعت…
إيدي كانت بتترعش… مش من الضعف… من الإحساس إني أخيراً بمسك زمام حياتي.
ماما كانت بتبص للأوراق بقلق:
"يعني… إحنا بقينا مالناش قرار؟"
قلت بهدوء:
"بقيت أنا ليا قرار".
خلصنا…
والأستاذ رأفت قفل الشنطة… وسألني قدامهم:
"تحبي أبلغ شركة التأمين والإجراءات القانونية ضد سواق المقطورة؟"
هزّيت راسي:
"ابدأ فوراً".
ساعتها بس…
ماما بدأت تعيط بجد…
مش العياط العالي… العياط المكتوم اللي فيه خوف حقيقي.
قعدت جنبي… ومشيت إيدي على شعري بحذر:
"إحنا غلطنا… يمكن ماقدّرنّاش خطورة اللي حصل… بس إنتي بنتنا".
بصيت لها… وقلبي اتلخبط…
لأن الحب مش بيختفي بسهولة… حتى لما الوجع يكسره.
قلت بهدوء:
"أنا لسه بنتكم… بس مش هبقى آخر أولوية تاني".
بعد أسبوع…
دخلت العملية التانية… ونجحت.
وبعد شهر… خرجت من المستشفى…
مش نفس الشخص اللي دخلها.
رجعت البيت… بس بشروط جديدة.
حدود… ومسافة… واحترام لنفسي قبل أي حد.
ماما بقت تزورني… مش كل يوم… بس لما تيجي… تيجي بصدق.
بابا بقى يتصل يسأل… مش يحقق.
وهنا… أختي… جت تعتذر… وقالت جملة عمري ما هنساها:
"أنا كنت شايفة نفسي محور الدنيا… لحد ما فهمت إنك كنتي بتحاربي لوحدك".
ابتسمت… ومسامحتي كانت بطيئة… بس حقيقية.
آخر مشهد؟
بعد ست شهور…
وقفت قدام المراية… ندوب على صدري… ونَفَس لسه بيتعلم يرجع طبيعي…
بس لأول مرة… حسّيت إني مش مجرد ناجية من حادثة…
أنا ناجية من فكرة
إني لازم أرضي الناس على حساب نفسي.
والموبايل؟
كان بيرن…
"ماما".
رديت… وابتسمت…
مش لأن كل حاجة بقت مثالية…
لكن لأن المرة دي…
أنا اللي بختار أرد… وأنا مرتاحة.

تم نسخ الرابط