أختي بدأت
أختي بدلّت بودرة البيبي بالدقيق كمزحة وقت زيارة العيلة. بعد نص دقيقة من ما استعملتها، بنتي اللي عندها ست شهور وقفت عن التنفس. ركضت بيها على طول على المستشفى… وأبويا وأمي جُو يترجّوني أسامح أختي. لما رفضت، أبويا صفعني جامد. وأمي مسكت شعري ودفعتني على الحيط. والبيبي…
"ده كان بس دقيق"، قالت ناتالي وهي متكشرة وكأن الموضوع ملوش لازمة. "حطّيته في زجاجة البودرة الأسبوع اللي فات كمزحة. ما كنتش متخيّلة إنه هيبقى خطير كده. إنتي دايمًا بتبالغي."
بصيت لبنتي، ليلي، الصغيرة اللي كانت ساكتة ومش بتحرك حاجة جوه حضانة العناية المركزة، وصوت الأجهزة "بيب-بيب" كان الصوت الوحيد في الغرفة. هي كانت في غيبوبة يومين عشان المزحة دي.
"إنتي بدلّتِ بودرة البيبي بالدقيق؟" همست وأنا رجلي بتتلخبط من الغضب. "بنتي كادت تموت!"
"بس هي عاشت!" صرخت ناتالي. "مش شايفة؟ تبقى عايشة! بطّلي تمثلي دور الضحية."
"اسكتي!" صرخت.
أبويا اندفع. صفعة!
قوة الضربة خلت راسي يدوّخ. صمت تام في غرفة العناية.
"ما ترفعيش صوتك"، همس، وعينيه متسعتين. "أختك غلطت. العيلة بتسامح العيلة. هتكسّري العيلة عشان حادثة بسيطة دي؟"
قبل ما أقدر أرد، أمي مسكت شعري وشدّت راسي ورا. "اسمعي الكلام! ناتالي اعتذرت! عايزة إيه أكتر من كده؟"
كنت بتتعرض للاعتداء من أهلي جنب سرير بنتي اللي في الغيبوبة، وكل ده عشان يحمو أختي اللي سمّتها. الأمن طلعهم، لكن تهديد أبويا فضل في وداني: "لما تهدي، هتقدري تعتذري لأختك."
قعدت على الأرض محطمّة، لكن الجحيم الحقيقي لسه ما بدأش.
بعد ساعة، دخلت دكتورة قسم الأطفال، وشكلها كان جدّي أكتر من أي وقت. حطت ملف تقيل على الترابيزة.
"طلعنا نتائج التحاليل السمية"، قالت ببطء، وعينيها مليانة شفقة. "وفي حاجة لازم تعرفيها. اللي كان في الزجاجة… ما كانش بس دقيق."
قلبي وقف. قلبت الملف، وأشارت على سطر باللون الأحمر.
كمّلت الدكتورة كلامها بصوت واطي:
"المادة اللي لقيناها في الزجاجة كانت مخلوطة بمادة تانية… مادة بتتسبب في انسداد مجرى التنفس بسرعة. مش دقيق بس. في آثار لمادة كيميائية… غالبًا منظّف صناعي."
حسّيتي إن الأرض بتتهز تحتك.
"منظّف؟!" صوتك خرج مبحوح. "إزاي؟ مين يحط حاجة زي كده؟"
الدكتورة سكتت لحظة، وكأنها بتختار كلماتها بعناية.
"مش عارفة إذا كان ده حصل بقصد أو بإهمال شديد… بس اللي نقدر نقوله إن ده مش حادث بسيط. وإحنا مضطرين نبلّغ الجهات المختصة."
إيدك بدأت ترتعش. دماغك رجع بسرعة لكل كلمة قالتها ناتالي… لكل مرة استهزأت… لكل مرة حاولوا يسكتوك. فجأة، الاعتذار اللي كانوا بيضغطوا عليكِ تقبليه بقى تقيل… تقيل جدًا.
في اللحظة دي، صدر صوت خفيف…
"بيب… بيب… بيب…"
بصّيتي بسرعة على ليلي.
أصابعها الصغيرة… اتحرّكت.
"دكتورة!" صرختي، وقلبك بيدق
الممرضة جريت ناحية السرير. الدكتورة قرّبت بسرعة.
"ليلي؟ حبيبتي… لو سامعاني، حرّكي إيدك تاني."
ثواني طويلة…
وبعدين… رمش خفيف.
رمش تاني.
ركبك ما شالتكش. وقعتِ على الكرسي ودموعك نزلت بدون صوت.
"يا رب…"
الدكتورة ابتسمت ابتسامة حذرة.
"دي علامة كويسة جدًا. لسه قدامنا طريق طويل… بس جسمها بيقاوم."
وأنتِ لسه بتحاولي تستوعبي المعجزة الصغيرة دي، خبط خفيف جه من باب الغرفة.
دخل ضابط ومعاه ست لابسة بدلة رسمية.
"إحنا آسفين نزعجك في الوقت ده"، قالت بهدوء. "لكن لازم نسألك شوية أسئلة عن اللي حصل… خصوصًا بخصوص أختك."
قلبك شدّ.
أول مرة… حسّيتي إن حد أخيرًا شايف الحقيقة.
بصّيتي على بنتك… على صدرها اللي بدأ يعلو وينزل ببطء… وعلى الأجهزة اللي بقت أصواتها أقل رعبًا.
رفعتِ راسك… ومسحتي دموعك.
"اسألوا اللي إنتوا عايزينه… أنا مش هسكت تاني."
وساعتها… بدأ فصل جديد — مش بس معركة لإنقاذ ليلي… لكن كمان معركة