كانت في الشهر التامن
كانت في الشهر الثامن من الحمل. قفل عليها الباب واختفى تلات أيام. واللي شافه لما رجع خلّاه يصرخ.
الأسبوع ده كانت الشمس مولّعة نار. الحرّ كاسر كل يوم، والجو خانق من غير نفس.
في بيت صغير متهالك على أطراف مدينة صحراوية، كانت سارة، عندها سبعة وعشرين سنة، نايمة على أرضية الخشب في أوضة النوم.
حامل في الشهر الثامن، وجسمها غرقان عرق.
جلدها محمّر، ورجليها المنفوختين بيترعشوا أحيانًا، كأن الجسم بيحاول يفتكر الحركة.
الأوضة كانت مقفولة بإحكام:
الشبابيك مقفولة،
الستارة مسدولة،
والباب مقفول عليها من برّه.
جوزها محمود كان مشي من تلات أيام، بعد خناقة جديدة—الخناقة دي بسبب التكييف اللي بايظ.
سارة توسّلت له يجيب حد يصلّحه.
ضحك ضحكة ناشفة، رما لها إزازة مية بلاستيك، وقال بسخرية:
«نامي شوية وهتفوقي.»
وبعدها قفل الباب ومشي.
سارة ما كانتش مصدّقة إنه ممكن يسيبها بجد.أول يوم حاولت تمشي في الأوضة حصري على صفحه روايات واقتباسات بس جسمها استسلم بعد ساعات.
الحرّ تقيل، والهوا واقف.النَفَس بقى صعب.
موبايلها فصل من الصبح، والشاحن كان برّه.
تاني
حاجات بتتحرك في الزوايا، أصوات مش موجودة.
حاولت تخبط على الباب مرة، بإيد ضعيفة.
ضوافرها اتكسرت، والباب ما اتحركش.
في اليوم التالت…
سارة بطّلت تتحرك.
لما محمود رجع ليلة الأحد، أول ما فتح باب البيت حسّ إن في حاجة غلط.
الهوا واقف، وريحه خانقة، ريحة معدِن وفساد.
وقف مكانه، خد نفس، وقال بخوف:
«يا نهار أسود… إيه ده؟»
جرى في الطرقة، والريحة بتزيد مع كل خطوة.
وصل لباب أوضة النوم.
المقبض كان سخن.
دور على المفاتيح وهو بيشتم، وفتح أخيرًا.
الهوا اللي طلع من جوه كان تقيل…
جدااا…
مرعب.
سارة كانت ممدّدة على الأرض، وسط بركة سوائل.
عينيها مفتوحة، فاضية.
شفايفها محروقة ومتشققة.
جسمها كان بدأ ينتفخ من الحر،
والجلد مفقوع ومتشقق عند الرقبة والدراعين.
الملاية تحتها كانت غرقانة دم، وحاجة سودا تقيلة.
كان واضح إن في حاجة فظيعة حصلت.
جنبها…
كان في جسم صغير ساكن.
الحبل السري لسه متوصل.
محمود رجع لورا وهو ب يرجّع، مسنود على الحيطة.
دماغه إتخبطت:
الباب المقفول،
صوت صريخها آخر مرة،
تحذير موجة الحر اللي سمعه
والرسايل اللي لسه شايفها على موبايله من رقم مش متسجّل.
السكوت اللي مالي البيت كان أعلى من أي صوت.
برّه، الشمس كانت بتغيب،
سايبة ضلّ طويل وقاسي على الأرض الصحراوية.
بس الرعب الحقيقي...…
كان.....
كان لسه بيبدأ !!!!!!! ....
محمود حاول يهرب بعينيه من المنظر… بس ما قدرش.
صوت طنين خفيف كان مالي الأوضة… زي دبان بيخبط في السقف.
إيده كانت بتترعش وهو بيحاول يقفل الباب تاني… كأنه لو قفله، كل ده هيختفي.
لكن قبل ما يلف…
سمع نَفَس.
واطي… متقطع… جاي من ناحية الأرض.
وقف مكانه.
بصّ ناحية الجسم الصغير جنب سارة… قلبه وقع في رجليه.
الصدر الصغير… اتحرّك.
خطوة… خطوة… قرب وهو مش مصدّق.
الطفل كان لسه عايش… جلده محمّر ومجعّد… وصوت واطي طالع منه زي أنين قطة صغيرة.
محمود وقع على ركبته.
مدّ إيده… وبعدين سحبها بسرعة كأن النار لسعته.
عيونه رجعت لسارة.
وشّها… ما كانش ساكن زي ما افتكر.
الحرّ كان مشوّه ملامحها… بس كان في حاجة تانية.
عينيها المفتوحة… كانت باصّة ناحية الباب… كأنها مستنياه.
وفجأة…
الموبايل اللي واقع جنب
رنة رسالة.
محمود اتجمد.
الموبايل… كان مفصول من تلات أيام.
الشاشة نورت لوحدها…
ورسايل بدأت تظهر… نفس الرقم المجهول.
«أنا حاولت.»
«خبطت كتير.»
«كان في حد واقف برّه… بس ما فتحش.»
«الجو حر قوي… أنا تعبانة.»
«لو حصلّي حاجة… خليك فاكر إنك سمعتني.»
إيده وقعت على الأرض… وصوته اتكسر.
«أنا… أنا ما كنتش أعرف…»
صوت الأنين رجع… أعلى المرة دي.
الطفل بيتحرك أكتر… لكن نفسه ضعيف.
محمود أخيرًا فاق.
شال الطفل بإيدين متلخبطين… جري برّه البيت وهو بيصرخ طلبًا للمساعدة.
الجيران اتلمّوا… الإسعاف وصلت… والشرطة وراها.
بعد أيام…
البيت اتشمع بالشمع الأحمر.
الناس حكت قصص كتير:
عن ريحة بتطلع بالليل،
عن نور خافت في أوضة النوم،
وعن صوت خبط بطيء على باب مقفول… يتكرر كل غروب.
أما محمود…
فما بطلش يسمع آخر رسالة صوتية وصلته—اللي ما سمعهاش غير بعد ما كل حاجة خلصت.
صوت سارة… ضعيف… متقطع… لكن واضح:
«محمود… الباب… حر… أنا مش قادرة…
لو سمعت الصوت ده… افتح… لو سمحت… افتح…»
بس الرعب الحقيقي…
ما كانش في البيت…
ولا في الرسائل…
ولا حتى في الصمت.
كان في اللحظة اللي فهم فيها…
إن أسوأ الوحوش…
مش دايمًا بتبقى غريبة…
أحيانًا… بتبقى اللي قافلة الباب… ومشيت.