غسلت سلالم البيوت

لمحة نيوز

"غسلت سلالم البيوت عشان يطلعوا هما للدور الأخير.. وفي الآخر استعرّوا مني!"

أنا اللي شققت إيدي من الكيماويات والصابون عشان هما إيديهم تفضل ناعمة ويمسكوا القلم.. أنا "الست سعاد"، اللي قضت 30 سنة بتمسح عرقها بطرف طرحتها وهي بتجري بين البيوت عشان تربي "دكتور" و"مهندسة".. والنهاردة، في ليلة فرح ابن الكبير، سمعت الجملة اللي ذبحتني من غير سكينة.
بدأت الحكاية من 25 سنة، لما جوزي مات وسابلي اتنين برقبتي، أكبرهم "حازم" كان عنده 7 سنين. لا مديت إيدي لحد والا طلب المساعده، واشتغلت في البيوت، أغسل وأطبخ وأمسح، عشان ميبقوش أقل من حد. حازم بقى جراح مشهور، ونهى اتجوزت راجل أعمال، والكل نسى "سعاد" اللي كانت بتشيل الشنط على كتفها. الكاتبه نور محمد
يوم الخميس كان فرح "حازم" في فندق من بتوع الـ 5 نجوم. لبست أحسن ما عندي، عباية نضيفة وجبتها بدم قلبي، ورحت وأنا قلبي بيرقص من الفرحة. دخلت القاعة، لقيت حازم واقف مع عروسه وأهلها، ناس "هاي" أوي ولابسين ألماظ.
روحت عليه عشان أضمه، لقيته اتخض، ووشه اتخطف. شدني من إيدي ووداني ركن بعيد وقال بصوت واطي ومخلوق: "إيه اللي جابك بدري كدة يا ماما؟ وليه لابسة العباية دي؟ أنا مش قولتلك استني في البيت وأنا هعدي عليكي بعد الفرح؟"
قلتله بكسرة:

"يا حازم ده فرحك وانت ابني الوحيد، عايزني استنى في البيت؟"
سابني ومشي من غير ما يرد، وبعتلي "الويتر" قالي: "الدكتور بيقولك اقعدي في التربيزة اللي ورا الستارة دي عشان الزحمة."
قعدت ودموعي في عيني، لحد ما سمعت حماته بتسأل حازم بصوت عالي شوية: "يا حازم، مين الست اللي كانت واقفة معاك دي؟ دي الشغالة القديمة اللي كنت بتقول عليها؟"
قلبي وقف، واستنيت رده.. استنيت يقول دي أمي، دي تاجي، دي اللي عملتني راجل.
لكن حازم بص للأرض وقال ببرود: "أيوة يا طنط، دي الست اللي كانت بتساعدنا زمان في البيت، هي ست طيبة وجت تبارك، هتمشي دلوقتي حالا."
الدنيا اسودت في عيني. قمت وأنا رجلي مش شايلاني، وخرجت من الفندق والناس كلها بتبص عليا. وقفت على الرصيف في عز البرد، لا معايا تمن تاكسي ولا قادرة أروح شقتي القديمه اللي هما باعوها عشان يكملوا تمن شقة "التجمع".
بس حازم نسي حاجة مهمه اوي هتدمر فرحه وشكله قدام معارفه كلها والحاجه دي تبقى..
وقفت "الست سعاد" على الرصيف، حضناها الهوا البارد بدل حضن ابنها. دموعها كانت بتنزل في صمت… مش بس عشان الإهانة، لكن عشان لحظة إدراك مُرّة: إنها بقت غريبة عن اللي ضحّت بعمرها علشانهم.
مدّت إيديها في شنطتها القديمة تدور على منديل… فمسكت ظرف بني صغير. الظرف
ده كان آخر حاجة حازم نسيها عندها من أسبوع — ملف قديم طلبت منه المستشفى يراجعه قبل الفرح. سعاد ما كانتش بتفهم في الورق، لكن اسم ابنها كان مكتوب بخط كبير، وختم "تحقيق عاجل".
في اللحظة دي، وقف قدامها عربيه سودا فخمة… ونزل منها راجل كبير في السن، لابس بدلة شيك. بص لها بتركيز وقال:
"حضرتك مدام سعاد؟"
استغربت وهزت راسها.
قالها بهدوء: "أنا مدير المستشفى اللي شغال فيها دكتور حازم… كنا بندور عليكي بقالنا يومين."
قلبها خبط بسرعة: "خير يا بيه؟ ابني فيه حاجة؟"
تنهد وقال: "بصراحة… فيه شكوى كبيرة ضده. في عملية فاشلة حصلت، والمريض مات… وفي أوراق ناقصة وتوقيعات مزورة. وإحنا عرفنا إن حضرتك كنتي شاهدة على ظروفه الصعبة زمان… وممكن تساعدينا نفهم الحقيقة قبل ما الموضوع يوصل للنيابة."
سعاد حسّت الدنيا بترجع تلف تاني… ابنها اللي استعرّ منها، حياته المهنية كلها على حافة الانهيار.
في نفس الوقت، جوه الفرح… كانت حماته بتتكلم مع المعازيم عن "أصل العيلة" و"المستوى الراقي". فجأة، دخل مدير المستشفى القاعة ومعاه اتنين من الإدارة القانونية… وطلبوا يقابلوا حازم فورًا قدام الجميع.
الهمس بدأ ينتشر… الكاميرات اتوجهت… والعروسة اتجمدت مكانها.
قال المدير بصوت واضح:
"دكتور حازم، لازم تيجي معانا
حالًا بخصوص تحقيق رسمي."
وش حازم اصفرّ… وبص حواليه يدور على حد يسنده… لكن مفيش غير نظرات الشك والدهشة.
في اللحظة دي… افتكر أمه. افتكر الست اللي كانت دايمًا بتقف جنبه لما الدنيا تضيق.
جري برا القاعة… لقى الكرسي اللي كانت قاعدة عليه فاضي. سأل الويتر: "فين الست اللي كانت هنا؟"
رد: "مشت يا دكتور… كانت باينة مكسورة أوي."
حازم حس إن الأرض اتسحبت من تحت رجليه… مش بس عشان التحقيق، لكن عشان خسر أعظم سند في حياته.
في الصباح التاني… خبط على باب شقة قديمة في حي شعبي. فتحتله سعاد بعينين حمرا من السهر. وقف قدامها زي طفل تايه وقال بصوت مكسور:
"سامحيني يا أمي… أنا خفت من شكلي قدام الناس… ونسيت إنك إنتِ الناس كلها."
سعاد بصتله طويل… قلب الأم كان لسه بيدق باسمه، لكن الجرح كان عميق.
قالت بهدوء:
"اللي استعرّ من أصله… الدنيا بتعلمه الأدب لوحدها."
سكتت لحظة… وبعدين فتحت الباب على الآخر:
"ادخل يا ابني… قبل ما تدخل النيابة، لازم ترجع تبقى إنسان الأول."
دخل حازم وهو منهار… وبدأت رحلة صعبة: تصحيح أخطائه في الشغل، ومواجهة المجتمع، والأهم… استرجاع ثقة أمه اللي كانت أثمن من أي لقب أو فندق خمس نجوم.
والفرح اللي كان المفروض يبقى بداية حياة جديدة… بقى درس قاسي علّم الكل إن اللي يكسف
من تعبه وأصله… يخسر نفسه قبل أي حد.

تم نسخ الرابط