عمري ما تخيلت تمن رجوعي

لمحة نيوز

عمري ما تخيلت إن تمن رجوعي بدري من السفر هيكون "دم بنتي" اللي لقيته مغرق بلاط المطبخ!

رجعت من الشغل قبل ميعادي بيومين، كنت راجعة هلكانة بس طايرة من الفرحة عشان وحشاني "جنى" بنتي اللي عندها 9 سنين. جوزي "حسام" كان محلفني ميت يمين إنها في عينيه وإن أهله واخدين بالهم منها كويس. بس أول ما حطيت المفتاح في الباب، قلبي اتقبض.. البيت كان ساكت سكتة قبر. لا صوت تلفزيون، لا دوشة لعب، ولا حتى حس حد بيتحرك
وفجأة سمعته.. صوت "حك" ضعيف أوي جاي من ناحية المطبخ.
رميت الشنطة من إيدي وجريت، وأول ما دخلت المطبخ.. حسيت إن الزمن وقف بيا. الكاتبه نور محمد
"جنى" كانت راكعة على ركبها الصغيرين على السيراميك، إيديها الاتنين عبارة عن لون احمر من كتر الدعك، وماسكة سلك مواعين خشن وبتفرك بيه الفواصل بين البلاط وكأن حياتها واقفة على النضافة دي. دموعها كانت بتنقط وتختلط بالدم اللي طالع من صوابعها المتقرحة.
أول ما شافتني، اتنفضت بخضة كأنها حرامي اتمسك، وعيطت بحرقة:
"يا مامي والله

قربت أخلص.. أبوس إيدك ما تقولي لتيتا، هي حلفتني!"
جريت عليها شيلتها من على الأرض ورميت السلكة بعيد، صرخت فيها وأنا بترعش: "مين عمل فيكي كده يا جنى؟ فين أبوكي؟ وفين جدتك؟"
بصتلي وعيونها ورمانه من العياط وهمست بصوت يقطع القلب: "تيتا وجدو خدوا (ياسين) ابن عمو وراحوا الملاهي من بدري.. قالولي إنتي مش هتيجي معانا عشان هو (الحفيد الغالي اللي شايل اسمنا) وإنتي (مجرد بنت أمك).. سابولي جردل وسلكة وقايمة طلبات حتى الشغالة متقدرش تعملها لوحدها."
سكتت لحظة وكملت وهي بتمسح دموعها بظهر إيدها المتعور: "قالولي لو مخلصتش تنضيف المطبخ كله قبل ما يرجعوا من الغدا.. هيقولوا لبابا إني بنت ناكرة للجميل ومش متربية."
في اللحظة دي.. حسيت بحاجة اتكسرت جوايا.. بس مش قلبي.. ده كان "خوفي" عليهم ومراعاتي لسنهم.
ماصرختش، ولا اتصلت بـ "حسام" أبهدله، ولا حتى قعدت أعيط.
غسلت إيد بنتي وطهرت جروحها، وأكلتها ونيمتها في حضني لحد ما راحت في النوم. وبعدها قمت قعدت على ترابيزة المطبخ، قصاد
"بقع الدم" اللي على السيراميك - الشاهد الوحيد على اللي عملوه في طفلة ملهاش ذنب غير إن أمها "أنا".
عرفت ساعتها أنا هعمل إيه كويس أوي.. دي مابقتش خناقة سلايف وحموات.. دي بقت حرب.
ومع أول خيط نهار طلع.. كانت خطتي اتنفذت بالحرف.
وتاني يوم الصبح، تليفونات العيلة كلها مابطلتش رن، والجرس مابطلش ضرب.. بس المرة دي الصويت والصراخ كان جاي من عندهم هما
مع أول خيط نور… كنت واقفة قدام باب شقة الحماة.
مش لوحدي… معايا محامية، وأخصائية اجتماعية من خط نجدة الطفل، وواحدة من جيراني كانت شاهدة على جروح جنى وهي بتتغسل امبارح.
الباب اتفتح… حماتي ابتسمت ابتسامة مصطنعة:
“رجعتي بدري يا بنتي؟”
ما رديتش… بس الأخصائية طلعت كارنيهها وقالت بهدوء:
“إحنا جايين ببلاغ عن إساءة معاملة طفلة.”
الوشوش اتقلبت… وحمايا حاول يعلّي صوته:
“إحنا ربّينا أجيال!”
المحامية حطت صور جروح جنى على الترابيزة… وتقارير طبية مبدئية… وسجل مكالمات صوتية كنت مسجلاها لجنى وهي بتحكي.
الصمت وقع تقيل.
في نفس اليوم…
اتعمل
محضر رسمي… واتسجلت أقوال الجيران… وتم استدعاء حسام من الشغل.
دخل وهو تايه… ولما شاف إيدين بنته ملفوفين شاش… وشاف الصور… سكت.
بص لأهله… وبص لي… وقال جملة واحدة:
“أنا عايز الحقيقة.”
الأخصائية حكت… وجنى حكت بصوت صغير…
ولأول مرة… حسام انهار.
قعد على الأرض قدام بنته وقال:
“أنا آسف… أنا سيبتك في أمان غلط.”
تاني يوم الصبح…
تليفونات العيلة كلها كانت مولعة… مش عشان فضيحة… عشان القرار.
حسام أعلن قدام الكل إن مفيش قعدة مع جنى من غيرنا… وإن أي ضغط أو إهانة هتقابلها إجراءات قانونية.
وحماتي؟
كانت بتصرخ… مش من الغضب… من الخوف… لأن أول مرة حد يحط حدود واضحة.
بعد أسابيع…
جنى بدأت جلسات دعم نفسي… ورجعت تضحك تاني.
المطبخ اتنضف… بس المرة دي من غير دم… ومن غير سلك مواعين.
وأنا؟
اتعلمت إن السكوت مش احترام… وإن حماية بنتي مش حرب… ده واجب.
وفي يوم عيد ميلادها العاشر…
كتبت على التورتة:
“جنى… قلبك أهم من رضا أي حد.”
ضحكت… وضحكنا… وحسام كان أول واحد ينفخ الشمع… وهو واعدها:
“من
النهارده… محدش هيكسر إيدينك ولا روحك.”

تم نسخ الرابط