بعد أربعين سنه جواز
بعد أربعين سنة جواز، جوزي قالها وأنا قاعدة قدامه على السفرة، في عشا عادي جدًا.
لا شمع.
لا خناق.
ولا حتى تمهيد.
قال:
"حاسس إني بندم إني اتجوزتك."
قالها بهدوووء… وده اللي وجّع أكتر.
كان باصص في طبقه، بيحرّك الأكل كأنه بيتكلم عن حاجة تافهة، مش عن عمر كامل.
لحظة وعدّت وأنا مقتنعة إني سمعت غلط.
أربعين سنة ما بتتمسحش في جملة.
أربعين سنة يعني روتين، نكت بينا محدش يفهمها غيرنا، تفاهم من غير كلام، وتنازلات حصلت واحدة واحدة لحد ما بقت مش باينة.
أربعين سنة يعني تعرف خطواته في الضلمة.
يعني تربية عيال، دفن أهل، أمراض وعدّت، تاريخ متداخل لدرجة إنك تنسى فين أنتِ وفين هو.
كمّل وقال، ولسه مش رافع عينه:
"فكرت في الموضوع كتير… وحاسس إني اخترت غلط. فضلت مكمل عشان كان الأسهل."
الأسهل.
استنيت يكمل.
استنيت يخفف الكلام، أو يحس بقسوته، أو يقول إنه
بس ما قالش حاجة.
في اللحظة دي، حاجة جوايا سكنت تمامًا.
ما عيطتش.
ما زعقتش.
ما فكرتهوش بالشغل اللي سيبته، ولا التنقلات اللي عملتها عشانه، ولا إزاي لفّيت حياتي كلها حوالين راحته واحدة واحدة لحد ما بقيت مش شايفة نفسي.
هزّيت راسي مرة واحدة.
وقلت بهدوء:
"ماشي."
استغرب. رفع عينه أخيرًا.
واضح إنه كان مستني رد فعل… دموع، خناق، محاولة نقاش.
بس بدل كده، قومت، شلت طبقي، ودخلت أوضة النوم.
لمّيت حاجتي بهدوء.
من غير عصبية.
هدوم متطوية.
أوراقي متجمعة.
خدت بس اللي يخصني.
سيبت العفش، الصور، وكل حاجة كانت تخص النسخة اللي فضلت.
كان واقف على باب الأوضة، تايه ومتوتر.
قال:
"إنتِ بجد ماشية؟"
قلت:
"آه."
قال:
"كده وخلاص؟"
قفلت الشنطة وبصّيتله في عينه:
"إنت اللي مشيت من زمان… أنا بس باعترف بده دلوقتي."
ومشيت قبل نص الليل.
ما لحقش يقول حاجة تانية.
يمكن كان فاكر إني ههدى، أرجع، أو إن الكلام هيعدي زي غيره.
الأسبوع اللي بعده عدى عليه تقيل.
البيت كان هادي زيادة عن اللزوم.
مفيش صوتي الصبح، ولا كباية الشاي اللي كنت بسيبهاله على الترابيزة، ولا هدومي على الكرسي اللي كان دايمًا يشتكي منها.
في يوم وهو بيدوّر على ورق قديم، فتح درج ما كانش بيفتحه من سنين.
لقى كشكول بني… دفتري.
كان فاكر إنه شوية خواطر مالهمش قيمة.
قعد، فتح أول صفحة.
الجزء الثالث – الدفتر اللي قال اللي ما اتقالش
في الأول قرا ببرود.
بعدها بتركيز.
وبعدين… بوجع.
كان بيقرا عن أيام ما كنت تعبانة ومش بقول.
عن الليالي اللي نمت فيها وأنا حاسة إني لو اختفيت مش هيلاحظ.
عن المرات اللي كنت محتاجة كلمة، بس خدت سكوت.
عن شغلي اللي سيبته، وأحلامي اللي اتأجلت، ونفسي اللي اتحطت دايمًا في الآخر.
قرا جملة وقفت قلبه:
"أنا مش زعلانة… أنا بس تعبت من إني أكون موجودة ومش متشافه."
صفحة ورا صفحة، إيده كانت بتترعش.
لقي آخر سطر كتبته قبل ما أمشي:
"لو بتقرا الدفتر ده، يبقى أنا أخيرًا اخترت نفسي. متدورش عليّ. اللي كان بينا انتهى يوم ما قلت إنك ندمت."
الدفتر وقع من إيده.
قعد على الأرض.
وبكى.
مش عياط زعل…
عياط واحد فهم متأخر.
فهم إن اللي كان فاكره مضمون، كان صابر.
وإن اللي حسبه ضعيف، كان ساكت بس.
الجزء الأخير – اللي خسر… واللي كسبت
اتصل.
مرة.
اتنين.
عشرة.
ما رديتش.
بعث رسايل:
"أنا غلطان."
"ما كنتش قاصد."
"ارجعي نتكلم."
بس في الحقيقة…
مفيش كلام يرجّع عمر اتاخد كده.
ولا اعتذار يصلّح إحساس واحد عاش سنين مش مُقدَّر.
أنا كنت في مكان تاني.
بيت صغير.
نفس أهدى.
مراية لأول مرة شايفة فيها نفسي.
بصّيت لنفسي وقلت:
"أنا ما خسرتش جواز… أنا
وهو؟
فضل مع الندم.
يفتح الدفتر كل شوية…
ويقفل الصفحة اللي ما عرفش يحافظ عليها.