رجعت البيت قبل ميعادي
وقفت خطوة لقدّام.
الأرض ما كانتش بتتهز، ولا الدنيا بتلف، ولا أنا ضعفت.
الغريب إن كل حاجة كانت هادية جوايا… هدوء يخوّف.
قلت جملة واحدة.
جملة قصيرة.
بس كفاية تمسح الضحكة من وشوشهم الاتنين في ثانية.
قلت: «حلو… كملوا. أنا جاية أشارك.»
الضحك اتقطع.
الهوا اتجمد.
وهو لفّ ببطء، وشه شاحب، عينيه بتدور عليّ كإني طيف.
.
إيده نزلت من غير وعي، كإنه بيدوّر على حاجة تحميه.
أنا؟
كنت واقفة ثابتة.
مش علشان قوية.
علشان خلاص… ما بقاش في حاجة أخسرها.
قلت بهدوء: «مش متأخرة، صح؟ ولا جيت في وقت مش مناسب؟»
ما ردّش.
بس عرف.
عرف إن اللحظة دي مش عادية.
مشيت ناحية الترابيزة، حطيت شنطتي عليها، وقلعت الجاكيت كأني راجعة من شغل عادي.
كأني صاحبة المكان.
كأني عمري ما خرجت منه.
بصّيت لها، من فوق لتحت، من غير كراهية.
بفضول بس.
وقلت: «أحب أعرف اسمك… علشان لو احتجت أناديكي بعد كده.»
خرجت
الباب اتقفل.
وسكت البيت.
فضلنا واقفين قصاد بعض.
سنين كاملة اتحشرت في ثانية.
قال: «مش زي ما إنتِ فاكرة.»
ابتسمت.
مش ابتسامة فرح… ابتسامة حد فهم اللعبة متأخر قوي.
قلت: «أنا ما بفكرش. أنا بشوف.»
قعدت على الكرسي، بإيدي الاتنين على الترابيزة، وقلت بهدوء: «من اللحظة دي، كل حاجة هتمشي بطريقتي.»
ضحك ضحكة قصيرة متوترة: «إنتِ بتهزري؟»
رفعت عيني وبصّيت له: «أنا عمري ما كنت أجد في حياتي قد دلوقتي.»
سحبت درج، طلعت ورق، حطيته قدامه. حسابات.
مواعيد.
تفاصيل.
قلت: «أنا كنت سايبة الدنيا تمشي لوحدها.
بس دلوقتي… لأ.»
وشه اتغير. بدأ يفهم.
كملت: «إنت هتفضل هنا.
هتعيش.
هتضحك قدّام الناس.
بس كل قرار، كل خطوة، كل نفس… هيمر عليّ الأول.»
قال بصوت واطي: «ليه بتعملي كده؟»
قربت منه، وهمست: «علشان اللي افتكر نفسه كسب، لازم يعيش وهو عارف إنه خسر كل حاجة مهمة.»
قمت،
قفلت الباب ورايا.
لأول مرة من سنين…
نمت وأنا مطمّنة.
مش علشان الدنيا بقت حلوة،
لكن علشان القواعد اتغيرت.
واللي جاي… كان أقسى مما يتخيّل.حيت تاني يوم بدري قوي.
مش علشان منبّه.
علشان دماغي كان صاحي قبلي.
البيت كان ساكت… سكوت تقيل.
سكوت حد مستني الحكم.
نزلت المطبخ، عملت قهوتي بهدوء، قعدت على الكرسي اللي قدّام الشباك.
الشمس كانت طالعة عادي،
كإن اللي حصل امبارح ما كانش زلزال.
دخل… بخطوات محسوبة.
واقف مستني أتكلم.
قلت من غير ما أبص: «اقعد.»
قعد.
حطيت الفنجان قدامي، وقلت: «من النهارده، مافيش مفاجآت.
كل حاجة تبقى واضحة.
أنا ما بحبش أكتشف.»
قال: «إنتِ اتغيّرتي.»
ابتسمت: «لا.
أنا بس بطلت أغمّض.»
سكت شوية، وبعدين قال: «إنتِ ناوية تعملي إيه؟»
رفعت عيني وبصّيت له: «هعيش.
بس مش بنفس الطريقة.»
قمت، فتحت الدولاب، طلّعت صندوق صغير.
حطيته على
قلت: «ده شغلي.
ده تعبي.
ده اللي كنت بسيبه على الرف علشان البيت.»
فتح الصندوق…
عينيه وسعت.
قلت بهدوء: «أنا ما كنتش ضعيفة.
كنت بس مش عايزة أستخدم اللي عندي.»
من اليوم ده، كل حاجة اتبدلت.
بقيت أخرج من غير ما أشرح.
أرجع من غير ما أبرّر.
أبتسم من غير ما أفسّر.
هو؟
بقى حذر.
بيفكر قبل ما يتكلم.
بيحسب خطواته.
مش خوف…
وعي متأخر.
في مرة قال: «إنتِ بعيدة.»
قلت: «لا.
أنا قريبة من نفسي.»
البيت فضل واقف.
الجدران زي ما هي.
بس الميزان اتعدل.
ما بقاش في صوت أعلى من صوتي.
ولا قرار يعدّي من غير ما أكون عارفاه.
وفي ليلة، وهو فاكر إن السيطرة رجعتله،
قلت جملة واحدة، وأنا بطفّي النور:
«افتكر دايمًا…
في فرق بين اللي سامح،
واللي اختار يكمّل بشروطه.»
لفّ يبصّ عليّ.
بس الأوان كان فات.
أنا ما كنتش بدمّر.
ولا بانتقم.
أنا كنت بعيد ترتيب المشهد
علشان اللي افتكر نفسه صاحب
يفضل عايش جوّهها
وهو فاهم
إن الدور عمره ما كان ليه من الأول.
والباقي… كان حياة جديدة
بنفس العنوان
بس بقانون مختلف.