ابويا قالي احضري فرح اختك
قبل فرح أختي بأسبوعين.
صوته كان واطي وحاد، ومتدرّب عليه.
نفس النبرة اللي استخدمها معايا طول عمري، كل ما يحب يفكّرني أنا واقفة فين.
قاللي وهو بيكشر:
"لو ماحضرتيش فرح أختك الدلوعة، هاقطع عنك مصاريف الجامعة."
ما جادلتش.
ما قلبتش عيني.
هزّيت راسي كأني خايفة.
علشان الخوف هو الدور الوحيد اللي كانوا فاهمينه مني.
أختي، هانا، كانت دايمًا نجمة العيلة.
اللي بتتدلع، وتتحمي، ويتحتفل بيها.
وأنا؟
الكومبارس.
اللي المفروض أشكرهم على أي فتافيت اهتمام ترميلي.
كانوا لسه فاكرين إني معتمدة عليهم.
إني محتاجة فلوسهم.
وموافقتهم.
ورضاهم.
اللي ماكانوش يعرفوه…
إني كنت خلاص اتخرجت.
ومن أوائل الدفعة كمان.
في هدوووء… من غير حفلة، من غير إعلان.
وكنت واخدة شغل بمرتب ست أرقام من شهور،
ودفعت كل حاجة عليّ بنفسي.
عملت كل ده لوحدي.
وسبتهم فاكرين غير كده.
فعشان كده لما أبويا هدّدني،
هزّيت راسي وسكت.
ولما يوم الفرح جه،
روحت.
مش علشان أطيع.
لكن علشان أكسر سيطرتهم عليّ للأبد.
دخلت قاعة الفرح وأنا هادية.
لبسي بسيط، شكلي عادي، نفس البنت اللي كانوا فاكرينها لسه محتاجة دعمهم.
أبويا شافني من بعيد، ابتسم ابتسامة نصر.
فاكر إن تهديده جاب نتيجة.
أمي قربت وهمست:
"كويس إنك عاقلة وماعملتيش مشاكل."
ابتسمت.
سكت.
استنيت.
الفرح مشي، الزغاريد علت، والناس بدأت تتكلم
وأختي، كالعادة، في النص… ملكة الليلة.
ولما جه وقت العشا، أبويا حب يعمل شو.
مسك المايك، وقال وهو بيبصلي:
"وأحب أشكر بنتي الصغيرة… اللي رغم ظروفها الصعبة، التزمت وجت تشارك أختها فرحتها."
ضحك خفيف في القاعة.
نظرات شفقة.
نظرات تعاطف.
وهنا… قمت.
القاعة سكتت.
مسكت المايك من غير ما أستأذن.
صوتي كان ثابت، أكتر ما كنت متخيلة.
قلت:
"بس حابة أوضح حاجة صغيرة…
أنا مش هنا علشان الظروف، ولا علشان التهديد."
وشفت وش أبويا شد.
وأمي اتلخبطت.
كملت:
"أنا اتخرجت من شهور، ومن أوائل دفعتي.
وشغالة حاليًا في وظيفة بمرتب أعلى من اللي كنتوا بتدفعوه كله."
الهمس بدأ.
القاعة ولعت.
طلعت من شنطتي ملف صغير، حطيته على الترابيزة اللي قدامهم.
شهادة التخرج.
عقد الشغل.
إيصالات السداد.
وقلت بهدوء قاتل:
"مصاريفي؟ مدفوعة.
حياتي؟ ملكي.
وأي حاجة كنتوا فاكرين إنكم ماسكينها عليّ… خلصت."
أبويا حاول يتكلم،
صوته خانُه.
لأول مرة في حياته، ماعرفش يهدد.
بصّيت لأختي، اللي كانت واقفة متجمدة،
وقلت:
"مبروك يا هانا…
بس من النهارده، ماحدش فيكم ليه سلطة عليّ."
سيبت المايك.
لفّيت ضهري.
ومشيت.
ورايا كان في صدمة.
سكوت.
وحقيقة ماكانوش مستعدين لها.
وبرّه القاعة،
وأنا باخد نفسي لأول مرة من سنين،
فهمت حاجة واحدة:
أنا ماحضرتش الفرح علشان أطيع.
ولا علشان أواجه.
حضرت علشان أقفل باب السيطرة نهائي.
ومن اليوم ده…
ما بقاش عندهم أي تهديد يشتغل عليّ.