امي قالتلي ياريتك متولدتي

لمحة نيوز

أمي نفسها قالتلي:
"يا ريتك ما اتولدتيش."

وقفت شامخة وردّيت عليها:
"خلاص، اعتبريني كأني ما وُجدتش. عيشوا حياتكم كإن مفيش بنت اسمها ليزا."

القاعة كلها سكتت.
الفرح وقف حرفيًا.

المفروض إن الحفلة كانت عادية.

صالون مليان ناس.
أطباق متحطّة على الركَب.
ضحك صوته عالي زيادة عن اللزوم، كإن الكل بيحاول يقنع نفسه إنهم مبسوطين.
كنت واقفة على جنب، ماسكة كوباية مش عايزاها، وبفكر أهرب إمتى.

اتعلمت إزاي أعدّي التجمعات العائلية إني أبقى ساكتة.
أبتسم لما لازم.
ما آخدش مساحة.
ما أردّش على التعليقات الصغيرة اللي بتطلع فجأة…
تعليقات عن شغلي، عن حياتي، عن إني عمري ما كنت “كفاية”.

أمي كانت متعصبة طول السهرة.

حاسّة بده في كل مرة تصححلي من غير سبب،
في الزفرة اللي تطلع منها وأنا

بتكلم،
في لفة عينها لما حد يسألني سؤال.
كنت بحاول أختفي.
زي دايمًا.

وبعدين حد هزار عن الأطفال.

حد ضحك.
حد تاني اتكلم عن تضحيات الأهل.
وفجأة… أمي بصّتلي.
وشها مشدود، عينيها مليانة حاجة كانت متراكمة بقالها سنين.

قالت:
"يا ريتك ما اتولدتيش."

مش بهمس.
مش على جنب.

قالتها بصوت عالي.
قدّام الكل.

المكان كله تجمّد.

الكلام وقف في نص الجُمل.
الشوك واقفة في الهوا.
واحدة جنب الكنبة شهقت.
حسّيت بكل العيون عليّا، مستنيين…
مستنيين دموع، خناقة، انهيار.

صدري وجعني.
مش وجع قلب.
وجع حاجة بتتخلع من جوايا.

لثانية واحدة حسّيت إني الطفلة اللي طول عمرها مستنية رضا عمره ما جه.

وبعدين… حاجة اتغيرت.

فردت ضهري.

وقلت بهدوء:
"خلاص، اعتبريني كأني ما وُجدتش. عيشوا حياتكم كإن مفيش

بنت اسمها ليزا."

من غير زعيق.
من غير صوت مهزوز.

هدوء وبس.

السكوت كان تقيل.
مزعج.
النوع اللي يخلي الناس غصب عنها تواجه اللي حصل.

أمي بصّتلي مصدومة.
أبويا بص في الأرض.
إخواتي فجأة مش عارفين يبصولي.

حطّيت الكوباية على الترابيزة بهدوء،
لبست الجاكيت،
وقلت جملة أخيرة:

"أنا مش هرجع أبقى موجودة عشان أتشال اللوم."

ومشيت.

من غير دراما.
من غير عصبية.

خلصت…
ومشيت.

الهواء برا كان أبرد مما توقعت، بس لأول مرة ما حسّتش إني باختنق.
وقفت شوية عند العربية، إيدي بترتعش، مش من الندم… من التفريغ.
سنين من السكوت نزلت مرة واحدة.

ركبت وسوقت من غير وجهة.
لا موسيقى.
لا دموع.
بس إحساس غريب… خفة.

تليفوني بدأ يرن بعد عشر دقايق.
اسم أمي.
طنّشت.

رن تاني.
أبويا.
طنّشت.

رسالة

من أختي:
“إنتي كبرتي الموضوع… ماما ما كانتش تقصد.”

ابتسمت بسخرية.
دايمًا ما كانتش تقصد.
ودايمًا أنا اللي المفروض أستحمل.

وقفت العربية على جنب الطريق، وبصّيت في المراية.
شوفت نفسي… بجد.
مش البنت اللي بتحاول ترضي.
ولا اللي بتعدّي الإهانات وتضحك.
شوفت واحدة تعبت… وقررت توقف.

بعد أسبوع، بعتلهم رسالة واحدة بس:

“أنا محتاجة مسافة.
مش عقاب، مش انتقام.
حماية.
لو في يوم هنتكلم، يبقى باحترام.
غير كده، غيابي أرحم.”

ووقفت عند كده.

الأيام عدّت.
كان في وجع… آه.
بس كان في هدوء.
نمت أحسن.
ضحكت من قلبي.
اتكلمت من غير ما أعتذر عن وجودي.

بعد شهور، قابلت ناس ما سألوش:
“ليه كده؟”
سألوا:
“إنتي حابة إيه؟”

وساعتها فهمت.

مش كل أم تعرف تبقى أم.
ومش كل عيلة اسمها أمان.
بس دا

ما ينقصش مني حاجة.

أنا ما اختفيتش.
أنا أخيرًا… ظهرت.

ولو في يوم سألوني عني وقالوا:
“فين ليزا؟”

الجواب هيبقى بسيط:

ليزا عايشة.
بس المرة دي… عايشة لنفسها.

تم نسخ الرابط