كنت اعيش بائسه
تجمّدت في مكاني، وابتسامة والدتي كانت أهدأ من اللازم… كأنها تعرف أكثر مما تقول.
حاولت أتماسك، ابتلعت ريقي، وسألتها بتصنّع:
– تقصدي إيه؟
ضحكت ضحكة قصيرة، ثم نهضت تجمع الصحون:
– ولا حاجة… مجرد سؤال.
لكن السؤال كان سكينًا مغروسًا في صدري.
بعد ساعة، رنّ الجرس.
دقّات بطيئة، محسوبة.
عرفتها… قبل أن أراها.
دخلت ليلى كعادتها، أنيقة، واثقة، لكن هذه المرة لم تكن وحدها.
رجل في أوائل الأربعين، مظهره محترم، يضع يده على ظهرها كأنه يعلن ملكيته
قالت بابتسامة رسمية:
– مساء الخير.
نظرت إليّ… نظرة خاطفة، باردة، كأنني غريب.
لا ارتباك، لا تردد، لا اعتراف.
كأن خمس سنوات لم تكن.
عرّفته لوالدتي:
– ده حسام… شريك حياتي.
شريك حياتها.
الكلمتان سقطتا فوق رأسي كحجر.
جلسنا جميعًا.
حديث عادي، ضحكات، أسئلة عن العمل، عن السفر.
وأنا؟
كنت أختنق بصمت.
في لحظة ما، التقت عيناها بعيني.
لمحتُ فيها شيئًا واحدًا فقط: القرار.
كانت قد اختارت.
منذ زمن.
بعد العشاء، استأذنت ليلى للحديث
خرجنا إلى الشرفة.
قالت بهدوء قاسٍ:
– آدم… لازم ننهي ده هنا.
ضحكت بمرارة:
– ننهي إيه؟ هو كان في حاجة أصلاً؟
تنهدت:
– أنت كنت مرحلة… وخلصت.
لم تحاول التبرير.
لم تعتذر.
كأن كل ما بيننا كان وهمًا جميلًا انتهى مفعوله.
قبل أن أرد، سمعت صوت والدتي خلفنا:
– كنت مستنية اللحظة دي.
التفتنا معًا.
كانت واقفة بثبات، تنظر إلينا دون غضب… فقط حزن عميق.
قالت ليلى بصوت منخفض:
– أنتِ كنتِ عارفة؟
أجابت أمي:
– من زمان.
وسكتت
– كنت مستنية ابني يختار نفسه.
نظرت إليّ… لم تقل شيئًا.
لكن نظرتها كانت أوضح من أي كلام.
غادرت ليلى تلك الليلة، ولم تعد بعدها أبدًا.
لا رسائل.
لا مكالمات.
لا “اشتقتلك”.
مرت شهور.
تعلمت فيها أن الحب الذي يُعاش في الظل… لا ينجو في الضوء.
وأن بعض العلاقات، مهما بدت عميقة، لا تكون سوى هروب مؤقت من فراغ أكبر.
اليوم، عندما أتذكرها، لا أشعر بالكراهية.
ولا بالحنين.
فقط بالامتنان.
لأنها علمتني درسًا واحدًا
من يخفيك، لا يحبك…
ومن يجعلك سرًا، لن يجعلك وطنًا أبدًا.