عندما تضغط عليه أسرته
أغلق الباب خلفها بقوة، فارتدّ صوته داخل الغرفة كصفعةٍ أخرى… لكن هذه المرة على قلبه هو.
ظلّ صابر واقفًا مكانه، لا يتحرّك، لا يتنفّس تقريبًا.
كلماتها الأخيرة كانت ما تزال معلّقة في الهواء:
«حتى أغلى منّي… ومن ابنك»
ابنك؟
ابنه؟!
جلس على طرف السرير فجأة وكأن قدميه خانتاه، وضع كفّيه على رأسه بعنف، يحاول استيعاب ما قالته.
هل كانت تكذب؟
هل أرادت فقط أن تمنعه من تطليقها؟
أم… هل كانت تخفي السرّ طوال هذا الوقت؟
تذكّر لياليها الصامتة أحيانًا، شرودها المفاجئ، تعبها غير المبرّر…
تذكّر كيف كانت تضع يدها على بطنها دون وعي، وكيف كانت تتعلّق به أكثر من المعتاد.
ضرب الحائط بقبضته وهو يهمس بصوت مبحوح:
«ليه دلوقتي يا جهاد؟ ليه تقوليها بعد ما ضيّعت كل حاجة؟»
في الخارج، كانت جهاد تقف في الصالة، جسدها يرتعش، ودموعها لا تتوقّف.
مصطفى يراقبها بنظراتٍ
— «خلصتي؟»
صرخت فيه فجأة، بكل ما تبقّى فيها من قهر:
— «إبعد عنّي! أنت السبب في كل ده!»
ضحك بسخرية باردة:
— «هو غلط… بس أنت أسوأ.»
وقبل أن يرد، خرج صابر من الغرفة، وجهه شاحب، عيناه حمراوان.
نظر إليها طويلًا… نظرةً لم تفهمها، خليط من الألم والذنب والضياع.
قال بصوتٍ مكسور:
— «الكلام اللي قلتيه… كان حقيقي؟»
تجمّدت مكانها.
عرفت أنه يقصد شيئًا واحدًا فقط.
لم ترد.
وضعت يدها على بطنها، وكأنها تحمي شيئًا هشًّا بداخلها، وقالت بهدوءٍ موجع:
— «كنت مستنيّة الوقت الصح… بس مفيش وقت صح مع واحد بيختار دايمًا غيري.»
تقدّم خطوة، ثم توقّف.
مصطفى تدخّل بسرعة:
— «كفاية تمثيل! لو في طفل فعلاً يبقى نحل الموضوع قانوني، لكن دلوقتي جهاد جاية معايا.»
صرخت جهاد:
— «لاااا!»
لكن صابر… لم يمنعه.
لم يتحرّك.
لم يقل شيئًا.
خرجت معه، وكل خطوة كانت كأنها تترك قطعة من روحها على أرض الشقة.
بعد شهرين…
كانت جهاد في شقة صغيرة، بالكاد تتّسع لأنفاسها.
مصطفى لم يعد ذلك الرجل المتسلّط فقط… بل أصبح أكثر قسوة.
يراقبها، يمنعها من الخروج، يشكّ في كل حركة.
وحملها بدأ يظهر.
في إحدى الليالي، انهارت.
جلست على الأرض، تحضن بطنها وتبكي:
— «حقك عليّا يا ابني… اخترت الراجل الغلط.»
في نفس الليلة…
كان صابر في مصر، يواجه أمه، التي كانت تبتسم بانتصار وهي تقول:
— «أهو خلصت منها، بنت ما تنفعش تكون زوجة ليك.»
نظر إليها بجمود وقال:
— «كانت حامل.»
سقط الصمت كالقنبلة.
— «حامل؟!»
— «أيوه… بابني.»
ارتعشت يد أمه، لكنها تماسكت بسرعة:
— «يمكن بتكدب.»
صرخ فيها لأول مرة في حياته:
— «لا! أنا اللي كنت بكدب على نفسي!»
ومن تلك الليلة، لم يعرف النوم طريقًا إليه.
بدأ يبحث…
الحقيقة تنكشف
اكتشف صابر أن مصطفى ما زال مطلوبًا في قضايا نصب.
وأن جهاد ليست زوجته قانونيًا منذ أشهر… لأنه أخفى أوراق الطلاق.
ذهب إليها فجأة.
فتحت الباب… وعندما رأته، انهارت.
— «جي؟ بعد إيه؟»
نظر إلى بطنها، ثم إلى عينيها، وقال بصوتٍ ثابت هذه المرة:
— «علشان أرجّع اللي ضيّعته.»
مصطفى حاول منعه، لكن الشرطة كانت أسرع.
وفي قسم الشرطة، جلست جهاد، يدها في يد صابر، لأول مرة دون خوف.
قال لها بصوتٍ خافت:
— «سامحيني… أنا اتأخرت، بس عمري ما هسيبك تاني.»
نظرت إليه طويلًا، دموعها تنزل ببطء، وقالت:
— «مش علشاني… علشان ابنه.»
ابتسم لأول مرة منذ شهور، ووضع يده على بطنها:
— «ده كل اللي يهمني.»
النهاية
بعد عام…
كانت جهاد تحمل طفلها بين ذراعيها، وصابر بجانبها.
لم يكن الطريق سهلًا، خسروا ناسًا، وواجهوا العالم…
لكنهم اختاروا بعضهم
همست له وهي تنظر لطفلها:
— «تفتكر يستاهل؟»
ردّ وهو يبتسم:
— «أي حاجة نضحي بيها… ما تيجيش ربع اللي كسبناه.»