بابا الست دي شبه ماما
قالت المرأة بصوتٍ مبحوح، وهي تضم ذراعيها إلى صدرها: — «لو سمحت… ما تقربش.»
تسمّر أحمد في مكانه. ذلك الصوت… لم يكن صوت منى. لكن نبرته شقّت قلبه نصفين.
تقدّم خطوة أخرى، بحذر، وكأنه يخشى أن تختفي إن اقترب أكثر. — «إنتِ… اسمك إيه؟»
نظرت إليه بارتباك، ثم خفضت عينيها. — «ما… ما افتكرش.»
ازدرد ريقه. — «يعني إيه ما تفتكريش؟»
تدخل يوسف، وقد غلبه الفضول والخوف معًا: — «بابا… هي ماما؟»
ارتعشت المرأة عند سماع الكلمة. وضعت يدها على رأسها، كأنها تحاول إيقاف ألم مفاجئ. — «وجع… في دماغي…»
أشار أحمد ليوسف أن يبتعد قليلًا، ثم انحنى على ركبتيه أمامها. — «بصي…
رفعت عينيها إليه ببطء. لم تقل نعم. لكن دمعة وحيدة انسابت على خدها المتسخ.
كانت تلك الدمعة هي الضربة القاضية.
أخذها أحمد إلى السيارة. في البداية قاومت، صرخت، حاولت الهرب، لكن الإرهاق كان أقوى منها. جلس يوسف في المقعد الخلفي صامتًا، يراقب المرأة بنظرات متشبثة، كأنه يخشى أن يضيع حلمه مرة أخرى.
في أقرب مستشفى خاص، بدأت الأسئلة. تحاليل. أشعة. جلسات مع طبيب نفسي.
والحقيقة… خرجت ببطء، موجعة، لا تُصدَّق.
منى لم تمت.
حادث السير الذي تعرضت له منذ عامين، والذي دخلت بعده في غيبوبة، تزامن مع خطأ طبي كارثي. تم تسجيل وفاتها بعد توقف مؤقت في
ذاكرتها… لم تُمحَ كليًا. كانت متكسّرة. مشوشة. تحمل إحساسًا غامضًا بأن هناك طفلًا… ورجلًا… وبيتًا.
لكن بلا أسماء.
عادت منى إلى البيت بعد أسبوعين. البيت الذي خرجت منه محمولة على نقالة. البيت الذي عاش عامين في حداد.
وقفت عند بابه، تنظر للجدران كأنها تزورها لأول مرة. يوسف كان أول من ركض إليها. لم يسأل. لم يتردد. ألقى بنفسه في حضنها صارخًا: — «وحشتيني
في تلك اللحظة… عرفت. لم تتذكر الاسم. ولا التفاصيل. لكن قلبها تذكّر.
أما أحمد… فلم يبكِ. ظل واقفًا، يتأمل المشهد، كمن عاد إليه شيء كان قد تصالح مع فقدانه.
استغرق العلاج شهورًا. عادت بعض الذكريات. وضاعت أخرى للأبد. لكنها عادت إنسانة جديدة، بوجع أعمق، وقوة لم تكن تملكها من قبل.
وفي إحدى الليالي، جلسا معًا في الشرفة. قالت له بهدوء: — «يمكن ما رجعتش زي ما كنت…» أجابها: — «ولا أنا.»
ثم ابتسم لأول مرة منذ عامين. — «بس إحنا رجعنا.»
لم تكن النهاية سعيدة كاملة. لكنها كانت حقيقية.
أحيانًا… لا يعود الموتى كما كانوا. بل يعودون ليذكّرونا أن