امي بعد ماابويا مات
دخلت الحمّام وأنا لسه بنفض عني آثار النوم، خطواتي كانت مترددة، عقلي مش مستوعب الخبط اللي صحّاني. كان البيت هادي بطريقة تخلق قلق… هدوء غريب، غير مريح. فتحت باب الحمّام بالراحة… وما إن دخلت حتى شعرت إن قلبي وقع من مكانه.
أمي… كانت واقفة قدام المرآة، شعرها منكوش، هدومها مش مظبوطة، وعيونها مليانة ذعر… وبتبص في المرآة كأنها شايفة حد غريب بيطاردها. لكن اللي
"قولتلك ميت مرة… بلاش تعملي كده! انتي اللي بتخسّري كل حاجة!"
صرخت:
"في إيه؟! إيه اللي بيحصل؟!"
اتنينهم اتجمدوا. أمي التفتت لي بسرعة، وبدت على وشها ملامح خوف مش طبيعي. أكرم كان بيتنفس بسرعة… كأنه اتفاجئ أكتر مني.
قلت لهم وأنا واقفة عند الباب:
"حد يفهمني! إيه اللي بيحصل هنا؟!"
أمي مدت إيدها ناحيتي:
"حبيبتي… اقربي. أنا… أنا كنت بس…"
لكن قبل ما تخلص كلامها، أكرم مسك إيدي بقوة وقال:
"تعالي معايا… لازم نتكلم بعيد عنها."
شدّني برا الحمّام، قفل الباب وراه، وبصّ في عيني بنظرة عمري ما شفتها منه… خليط من خوف وغضب وإصرار.
قلت بصوت ضعيف:
"أكرم… في إيه؟ أنا تعبت. مش قادرة أستوعب حاجة."
مسك إيدي بكلتا يديه وقال:
"أنا لازم أقولك حاجة… حاجات كتير كانت غامضة، دلوقتي لازم تعرفي الحقيقة."
اتسمرت مكاني.
أكمل:
"
هزّيت راسي:
"مش فاهمة… أنت بتقول إيه؟"
قرب مني أكتر:
"فاكرة الصداع اللي كان بيجيلِك؟ فاكرة لما كنتي بتتعبي فجأة؟ فاكرة الإجهاض؟"
شعرت إن صدري اتخبط من جواه.
"أيوه… أيوه فاكرة… مالهم؟"
تنفس بعمق:
"أمك كانت بتحطلك أعشاب… حاجات بتعمل اضطرابات… جرعات صغيرة، لحد ما جسمك ضعف جداً. أنا مرتبتش دا. لما كنتي بتقولي لها إنك تعبانة… كانت بتفرح من جواها لأنها عايزاكي تفضلي محتاجة ليها، وما تسيبيهاش. دا اضطراب اسمه اعتماد مرضي عنيف. المريض فيه بيخاف يفقد اللي بيحبه… لدرجة إنه يمرضه عشان يفضل جنبه."
وقفت كلمات في حلقي.
"يعني… أنت بتقول… إن أمي هي اللي…؟"
أغمض عينيه وهزّ رأسه ببطء:
"أيوه… هي اللي خلتك تعبانة. وهي اللي سببتلك الإجهاض."
اتحشر الهواء في صدري، جسمي كله اتخدر.
"لا… أمي؟! مستحيل… مستحيل!
لكن عقلي بدأ يربط كل حاجة…
تعب مفاجئ… صداع مستمر… نظرات غريبة منها… خناقتها مع أكرم… وبعد ما ابتعدنا عنها فترة الصحة رجعت… ثم بعد ما تصالحوا التعب رجع…
العلامات كلها كانت قدامي… وأنا مكنتش شايفة.
وقتها… الباب اتفتح فجأة بعنف.
أمي وقفت ووشها أحمر وعينيها بتلمع بجنون.
صرخت:
"بتقول لها إييييه؟!!"
أكرم وقف قدامي بسرعة وقال لها:
"كفاية يا حاجّة! اللي عملتيه جريمة!"
هزّت راسها بعصبية:
"أنا بعمل كده عشانه! هي بنتي! مش هخليها تسيبني… مش هتروح لحد… ولا هتموتني زي ما أبوها مات!"
صرخت:
"انتي عملتي إيه؟ قولي! عملتي إيه فيّا؟!"
انهارت… وقعدت على الأرض تبكي وتضحك في نفس اللحظة.
"كنت بحميكي… كنت بحميكي من الدنيا… كنت عايزاكي جنبي… بس انتي كنتي هتسيبيني! وهتروحي لواحد غريب! وكنت هبقى لوحدي… لوحدي تاني…"
حسيت بقلبي بيتكسر.
مش لأنها بس عملت كده…
لكن لأنها فقدت نفسها من زمان، وأنا كنت بحاول أنقذها ومش عارفة.
اتصل أكرم بالإسعاف… وفضل واقف بيني وبينها لحد ما جم.
نقلوها لمستشفى
في الأيام دي… كنت تايهة بين ذنب ووجع وصدمة.
لكن أكرم كان جنبي… الليلة كلها، النهار كله، ماسك إيدي وبيقولي:
"مش ذنبك… انتي ضحية زيها."
بعد شهر… بدأت أزور أمي باستمرار. كانت في أوقات صافية… وفي أوقات مش فاهماني أساسًا. لكنها كل مرة تشوفني… تبكي وتقول:
"سامحيني… أنا مكنتش واعية."
وسامحتها… مش لأنها تستحق.
لكن لأن قلبي كان محتاج يسامح علشان يعرف يعيش.
رجعت حياتي بالشكل اللي عمري مكنت أتخيله.
أنا وأكرم نقلنا شقتنا، وقررنا نبني حياتنا بعيد عن وجع الماضي.
بعد سنة… ربنا رزقنا بحمل جديد.
كنت بخاف… لكن أكرم كان شايل خوفي عني.
وفي يوم ولادتي… كانت أمي واقفة في المستشفى، بإذن الطبيبة، في لحظة وعي نادرة جدًا… ماسكة إيدي… وبتقول لي:
"خافي من الدنيا… بس ما تخافيش مني تاني."
وفي اللحظة اللي طفلي صرخ فيها أول صرخة… حسيت إن الدنيا كلها بتتبدل.
وجع السنين
وهنا… بدأت حياتي الحقيقية.