جوزي بيتفنن في زعلي

لمحة نيوز

ثم سقطت على الأرض بلا وعي.
لم أعرف كم مر من الوقت دقائق ساعات كل ما أعرفه أنني أفقت على صوت غريب صوت ارتطام باب عنيف وصوت امرأة تصرخ بغضب.
فتحت عيني بصعوبة كنت ممددة على الأرض وجسدي يتلوى من الألم وبطني يعصرني كأن الطفل يريد أن يخرج قبل موعده بكثير.
كان رأسي يدور وحرارتي مرتفعة وقلبي يضرب بقوة في صدري.

حاولت أن أرفع جسدي لكني لم أفلح. كانت الأرض تدور تحتي كأنها بحر هائج.
زحفت قليلا فقط لأتنفس.
نظرت نحوه مستنجدة لمحت ظله يقترب لكنه لم يساعدني بل أمسك 
صرخت من شدة الألم ويدي امتدت تلقائيا لبطني خوفي كله على طفلي.
صرخت منكسرة
حرام عليك أنا تعبانة خدني المستشفى عشان خاطر البنت عشان خاطر اللي في بطني.
ضحك بسخرية وركل الطاولة بقدمه
لو ماتتوا الاتنين هرتاح.
كانت تلك الكلمة كالسكين التي قطعت آخر خيط في قلبي.
مرت الساعات وأنا في حالة شبه غيبوبة. لا أتذكر إلا صورا متقطعة 
ثم الهدوء الهدوء المرعب.
كنت وحدي.
لا أعرف كيف ولا من أين جاءتني القوة لكني زحفت نحو الهاتف القديم الموضوع بجانب الكنبة. كنت أراه في الضباب يتحرك ويتمايل أمام عيني لكني وصلت في النهاية.
أمسكت به وكل أصابعي ترتجف.
اتصلت بأمي برقمها الذي حفظته حتى إن انطفأ العالم كله.
رن الهاتف مرة مرتين ثلاثا ثم

سمعت صوتها الملهوف.
مين مين معايا
بكيت بكيت كما لم أبك من قبل.
يا ماما أنا أنا بموت.
صرخت
إنتي فين إيه حصل قولي!
لكن الصوت انقطع البطارية ماتت.
وأنا كدت أموت معها.
حتى ببطن طفلي لم أعد أعرف إن كان يتحرك أم لا.
كنت أحاول التركيز لكن العالم أصبح ضبابا أبيض.
وفجأة
سمعت صوتا آخر.
صوت فتح باب بالقوة ثم أصوات رجال وصوت امرأة تصرخ باسمي.
فين بنتي! فين بنتي يا ابن ال!
كانت أمي.
أمي جاءت.
ورجلان معها أخي الأكبر وابن خالتي.
دخلوا البيت كأنهم عاصفة.
لم ينتظروا إذنا لم يخافوا من صوته ولم يرهبوا شكله. لأول مرة شعرت أن البيت الذي كان يخنقني أصبح يهتز من الغضب ليس من أجله بل لي.
وجدت أمي أولا ركضت نحوي وركعت على الأرض تحتضنني وشعرها يلامس وجهي ودموعها الساخنة تسقط على جبهتي.
يا حبيبتي يا نور عيني قوميني يا رب يا رب قومها.
صرخ زوجي محاولا الإفلات.
دي مراتي وأنا حر!
صفعه أخي صفعة جعلت رأسه يرتطم بالحائط.

لم أرد أن تراق دماء كنت أرتجف.
شهقت بصوت متحشرج
بس بس يا خوي ابني خدوني المستشفى.
بمجرد أن سمعوا كلماتي لم يعد لأي شيء آخر أهمية.
حملني أخي بين ذراعيه كأني طفلة صغيرة وركض بي خارج المنزل بينما أمي تركض خلفه وصوت زوجي يصرخ ويهدد من بعيد لكن أحدا لم يعد يسمعه.
في السيارة كنت نصف ميتة.
رأسي يتمايل وعيناي تغلقان رغما عني وأمي تمسك يدي وتقرأ دعاء تلو الآخر تقبل جبيني تبكي تصرخ
فوقي! فوقي يا بنتي لا تموتيني.
لكنني كنت أبتعد أبتعد جدا.
وصلنا المستشفى وركضوا بي على نقالة أصوات الأطباء ضوء أبيض قوي سؤال يتكرر
ضغطها
النبض ضعيف جدا
الحمل في خطر
حضروا غرفة العمليات!
كنت أسمع كل شيء لكنني لم أستطع أن أجيب.
كنت أشعر أن حياتي كلها تسحب من صدري.
آخر شيء رأيته كان وجه أمي يختفي خلف باب غرفة العمليات وهي تصرخ
أنقذوا بنتي بالله عليكم أنقذوها.
ثم انطفأت كل الأضواء.
لم أعرف كم نمت أو إن كنت نمت أصلا. لكنني فتحت عيني على صوت جهاز مراقبة وصوت امرأة تبكي بهدوء بجانبي.
كانت أمي وجهها منهك عيناها حمراوان من البكاء يدها تمسك يدي بقوة وكأنها تخاف أن أفلت منها مرة أخرى.
حين رأتني أفتح عيني شهقت وقامت بسرعة قبلت رأسي وانهارت وهي تبكي
الحمد لله الحمد لله رجعك ليا.
صوت ضعيف خرج مني
ال البيبي
مسحت دموعها وهي تبتسم رغم ألمها
بخير بنتك بخير دخلتي ولادة مبكرة لكن ربنا رحيم وانقذكم انتو الاتنين.
أغمضت عيني وبكيت لأول مرة منذ سنوات بكيت بارتياح.
لكن القصة لم تنته هنا.
فبعد يومين فقط دخل الطبيب إلى الغرفة وبيده ورقة. قال لأمي
يجب إبلاغها هذا يخص حياتها.
نظر إلي الطبيب ونبرة الحذر
في صوته
سبب الانهيار اللي حصل لك مش بس الإهمال عندك نزيف داخلي كان ممكن يقتلك. لازم نعرف هل تعرضت للضرب العنيف
نظرت إلى أمي ثم إلى الأرض.
لم أرد أن أتكلم.
لكن أمي رفعت رأسي بإصبعها وقالت بصوت قوي لم أسمعه منها من قبل
اتكلمي الدنيا مش هتبلعك تاني انتي اتولدت من جديد.
وهنا لأول مرة نطقت بالحقيقة كاملة.
كل ضربة.
كل إهانة.
كل ليلة جوع.
كل مرة أجبرني على خدمة عشيقته.
كل شيء.
تحركت الأمور بسرعة بعدها. تقرير الطبيبة وبلاغ رسمي من المستشفى شهادة أمي صور الإصابات كل ذلك أدى إلى فتح قضية ضده.
زوجي الذي كان يصرخ دائما أن أحدا لا يستطيع لمسه وجد نفسه محاصرا.
اختفى يومين كاملين ثم قبضوا عليه.
أما أنا فقد بدأت أتنفس.
خرجت من المستشفى إلى بيت أهلي بيت دافئ رغم فقره لكنه كان أغنى من قصره البارد الهش.
كنت أحمل طفلتي الصغيرة بين يدي وطفلتي الكبرى تجلس بجواري تلمس وجهي بحنان وكأنها تطمئن أنني حية.
في تلك الليلة جلست وحدي أمام النافذة.
الشمس كانت تشرق لكنها هذه المرة لم تكن تشبه أي شروق رأيته من قبل. كانت شمسا جديدة لحياة جديدة امرأة جديدة.
امرأة قررت أخيرا أن تستعيد نفسها.
قررت أن لا أعود لجحيمه ولا أعيش في ظله ولا أقبل أن يقول أحد إنني فقيرة أو جاهلة.
سأتعلم.
سأقف على قدمي.
وسأربي
ابنتي على ألا تنحني إحداهن لرجل ظالم أبدا.
ولأول مرة شعرت أنني قوية.
قوية بما يكفي للبدء من جديد.

تم نسخ الرابط