ملياردير يتنكر
قدماه الصغيرتان في مكانهما واتسعت عيناه بدهشة ممزوجة بالشفقة الفطرية التي لا يعرفها إلا الأطفال.
شد على يد أمه وقال بصوت خافت ولكنه ملهوف
أمي أمي انظري! هذا الرجل يبدو جائعا أيمكنني أن أعطيه بسكوتتي
نظرت فايث إلى ابنها ورأت في عينيه براءة نقية لم تلوثها قسوة العالم بعد. ابتسمت بحنان وربتت على رأسه قائلة
طبعا يا صغيري العطاء لا يقاس بالكثرة بل بالقلب.
انحنى تومي ومد يده الصغيرة نحو أندرو الذي كان مندهشا من هذا المشهد. أخذ البسكوتة منه بارتباك لم يستطع إخفاءه فقد لمس قلبه شيء لم يلمسه منذ زمن صفاء نادر.
ثم أخرجت فايث من حقيبتها محفظة صغيرة مهترئة الأطراف تبحث فيها عن شيء. أخرجت ورقة نقدية بسيطة ومدتها إليه قائلة بصوت معتذر
لا أملك الكثير لكن خذ هذا. قد تحتاجه.
تجمد أندرو لثوان لا لشيء سوى أنه كان يشاهد الصفاء الإنساني يتجسد أمامه دون زخرفة ولا ادعاء. رفع رأسه وابتسم ابتسامة متأثرة وقال
شكرا لكما بارككما الله.
غادرت فايث مع ابنها وأندرو يراقبهما حتى اختفيا بينما دفء غريب ينتشر في صدره دفء
وفي تلك الليلة عاد إلى المنزل متثاقلا بحمل المشاهد التي رآها. وما إن جلس مع والده حتى قال بصدق واضح
يا أبي لقد رأيت الحقيقة اليوم. ريبيكا جميلة الصوت والمظهر لكن قلبها مظلم قاس. أما فايث فطيبتها لا تصدق. قلبها أنقى مما تخيلت وابنها يحمل خلقا لو رأيته لابتسمت.
هز الأب رأسه مبتسما فقد كان يدرك أن الحقيقة قد بدأت تتكشف لابنه.
لكن أندرو رغم يقينه الداخلي أراد اختبارا ثانيا وثالثا ليطمئن قلبه تماما.
وفي كل مرة كانت فايث تثبت أنها جوهرة لا تشترى وأن الخير يسكن قلبها حتى في أصعب أيامها.
وفي كل مرة كانت ريبيكا تظهر أن جمالها خارجي فقط تخفي وراءه قلبا لا يعرف العطاء ولا الرحمة.
وبعد أسابيع وفي صباح مشرق نزل أندرو إلى الإفطار والابتسامة لا تفارقه. وما إن جلس حتى قال بصوت حازم مليء بالطمأنينة
لقد وجدت زوجتي يا أبي.
توقفت الأيدي عن تناول الطعام ونظرت إليه الأسرة بدهشة ممزوجة بالفرح.
قال والده بابتسامة واسعة
ومتى نراها
تنهد أندرو وقال بثقة
قريبا لكنها لا تعرف حقيقتي بعد
وفي اليوم التالي ذهب أندرو إلى المتجر البسيط الذي تعمل فيه فايث. وما إن دلف إلى الداخل حتى رفعت رأسها ورحبت به
مرحبا بك هل يمكنني مساعدتك
لم تتعرف عليه فقد كان يرتدي الآن ثيابه الأنيقة لا ثياب المتسول.
ابتسم وقال
فايث أنا الرجل الذي ساعدته عند باب الكنيسة.
شحب وجهها واتسعت عيناها وقالت بصدمة
أ أنت أنت المتسول
أومأ برفق وروى لها القصة كاملة تنكره بحثه عن امرأة صادقة رؤيته لقلوب النساء الثلاث وكيف كانت هي الوحيدة التي أعطت بلا تردد رغم أنها لا تملك إلا القليل.
خرجت فايث من صدمتها ببطء وقلبها يدق بقوة لا تعرف معناها.
وفي تلك الليلة وبعد أن أوصلها إلى منزلها طلب رقمها ثم دعاها إلى العشاء. أحضر لها فساتين وحليا لا للتفاخر بل لتشعر بأنها تستحق كل جمال لأنها جميلة من الداخل أولا.
وعند العشاء جلسا طويلا يتحدثان. أخبره عن حياته وأخبرته عن معاناتها وكيف ربت طفلها تومي وحدها وكيف قاومت العالم بإيمانها.
ثم مد يده إلى جيبه وأخرج صندوقا صغيرا فتحه فتلألأ
نظر في عينيها وقال
فايث هل تقبلين الزواج بي
وضعت يدها على فمها ودموعها تنساب بغزارة.
أنا لا أعلم ماذا أقول
فأمسك يدها وقال
قولي نعم وأنا أعدك أن تومي سيكون ابني كما هو ابنك وأعدك أن عالما كاملا من الاحترام والحب ينتظرك.
وفي أشهر قليلة عقد القران ورفعت الزينة واحتفلت المدينة كلها بزواج لا يشبه أي زواج آخر.
وتسابق الناس ليروا الخبر الصادم
المتسول عند باب الكنيسة كان في الحقيقة أندرو جونسون ابن الملياردير بنجامين جونسون!
وانهارت ريبيكا حين علمت. جلست تبكي تدرك أن غرورها أفقدها فرصة العمر. تذكرت كل كلمة قاسية قالتها لذلك الرجل الذي لم تعرف حقيقته وتمنت لو يعود الزمن للوراء.
وفي الجهة الأخرى من المدينة كانت فايث تحيا أجمل أيام عمرها.
تحسن والدها بفضل علاجه الجديد وانتقل تومي إلى أفضل مدارس المدينة وأصبح لاعب كرة قدم واعدا.
وبعد فترة رزقا بمولودة جميلة ملأت حياتهم نورا وفرحا.
وهكذا تعلم الجميع درسا خالدا
القلب لا الثروة هو الذي يكشف الإنسان.
وأن الحب الحقيقي