في مطعم هادي
في مطعم هادي، النادل إدّاني الفاتورة ومعاها ورقة صغيرة مكتوب فيها: "اخرج من المطبخ". استغربت وسألتهم بهدوء: “ليه؟” لكنه رد بصوت واطي: “دلوقتي”. وفي عينيه كنت شايفة خوف يخليّك ما تسألش تاني. وقفت، وقلبي بيدق بسرعة، وبعد ثواني قليلة… باب الدخول اتقفل فجأة بحد ماكنتش أتوقعه إطلاقًا.
المطعم كان شبه فاضي في الليلة دي — موسيقى جاز هادية، نور خافت، وشوية أزواج منتشرِين aquí وهناك. كنت في نص الأكل لما النادل، شاب اسمه إيلي، جه بالفاتورة. بس بدل ما يحطها على الترابيزة، زحلها ناحيتي بإيد بتترعش.
جوه الفاتورة كانت ورقة مطوية.
فتحتها من غير ما أركز، متوقعه استبيان أو عرض دعائي.
لكن بدل كده، بخط متلخبط وسريع، كانت مكتوبة تلات كلمات خلت بطني تقلب:
"اخرج من المطبخ"
بصيت حواليّ باستغراب.
إيلي ما كانش عايز يبص في عيني، لكن لما همست: “ليه؟” قرب مني وقال بصوت شبه هماس: “ما تسأليش. امشي… دلوقتي.”
في
حاولت أهدّى، جمعت شنطتي وقفت. قلبي بيدق بقوة كأنّه مستعد لضربة. خطوة… وبعدين خطوة تانية.
وفجأة سُمعت جرس باب المطعم.
لفّيت راسي شوية، وشفت شخصية كبيرة داخلة — واقفة سَدّ باب الدخول بالكامل. الراجل بص حواليه نظرة باردة ومتعمّدة، ولما عينيه وقعت على عيني…
جسمي كله تجمّد.
كان ريان، أخو جوزي السابق الكبير. راجل ما كنتش شوفته من سنين. راجل هددني أكتر من مرة وقت الطلاق. راجل المفروض ما يعرفش أنا موجودة فين.
وشه كان مظلم، مُحدد، من النوع اللي يدل إنه ما جاش للدردشة.
إيلي همس بسرعة:
“امشي… دلوقتي.”
باب المطبخ كان على بعد 12 قدم بس، لكن حسّيته كإنه عالم تاني. وأنا ماشية نحوه، شفت ريان بدأ يتحرك كمان — بسرعة، بثقة، يدفع ناس بتخرج.
مهما كان عايز، مهما كان عارف، مهما جاي من أجله…
ما
ولما وصلت للباب المتأرجح بتاع المطبخ، فهمت:
الليلة دي مش هتخلص بهدوء.
ولا حتى قريب…فتحت باب المطبخ بسرعة، والهواء البارد ضرب وشي، والضوضاء ورايا بقت أعلى. كنت سامعة خطوات ريان بتقرب، وقلبي تقريبًا هيفرقع من الخوف.
المطبخ كان فاضي، بس فيه صوت معدات بتشتغل، ورائحة أكل قوية، وكل ده كان بيزيد إحساسي إن الوقت بيجري.
لفّيت بسرعة علشان أهرب من باب خلفي، بس لقيت الباب مقفول.
قلبي نزل في رجليّ.
في اللحظة دي، حسّيت بحد واقف ورايا.
التفتّ…
وكان ريان.
ابتسامة باردة، مش ابتسامة إنسان… ابتسامة حد جاي عارف إنه هيسترد اللي عايزه مهما كان الثمن.
قال بصوت منخفض:
“فاكرة إنك هتستخبي مني؟”
مش عرفت أرد. لساني كان ناشف، ودموعي قربت تنزل من الخوف.
لكن قبل ما يقول كلمة تانية…
سمعت صوت قوي جدًا من ورانا.
إيلي.
النادل اللي كان لسه شوية، واقف شايل سكينة مطبخ، ووشه كله ارتجاف لكن عينيه
قال:
“لو هتلمسها… هتعدّي من عليّ الأول.”
ريان اتوتر لحظة، بس بعدها ضحك ضحكة قصيرة، وقال:
“مش كل مرة هلاقي حد يقف في طريقّي.”
ساعتها فجأة
دخل صاحب المطعم ومعاه اتنين من العمال، وابتدوا يصرخوا ويجرّوا على ريان.
ريان فهم إن الوضع اختلف، وإنه مش هينفع يكمل، فشدّ رجله وطلع بسرعة من المطبخ قبل ما حد يقبض عليه.
إيلي ساب السكينة على الأرض، وركع وبدأ يتنفس بقوة من التوتر.
قربت منه وأنا لسه مش مصدّقة اللي حصل، وسألت:
“ليه… ليه عملت كده؟”
رفع عينيه وقال بصوت ضعيف:
“لإنك كنتِ هتتعرضي لخطر… وما كنتش أقدر أقف متفرّج.”
وقتها حسّيت بثقل كبير نزل من قلبي.
وكانت أول مرة من ساعات أحس فيها بالأمان.
بعدها البوليس وصلت، واتاخد ريان على إنه متورّط في تهديدات سابقة، وإنه كان بيدور عليك.
وأنا؟
قعدت على كرسي المطبخ، إيديا لسه بترتعش، بس قلبي هادي لأول مرة من وقت طويل.
وعرفت ساعتها حاجة واحدة:
مش
فيه ناس بتقف، حتى لو حياتهم نفسها مش قوية.
والليلة دي، كانت بداية جديدة…
مش نهاية خوف.