لايا هاريس كان قدامها 18 دقيقه

لمحة نيوز

لايا هاريس كان قدامها ١٨ دقيقة… ومعاهم سنين من التضحية.

الصبح كان ساقع والدنيا عليها شبورة خفيفة، ولايا بتجري في شارع 12 ماسكة كتاب التمريض المتهالك في حضنها. نَفَسها بيطلع بخار من البرد، ورجليها بتولّع. امتحان الساعة 7… باب اللجنة بيتقفل بالدقيقة. لو اتأخرت ولو دقيقة—منحتها هتضيع… ومستقبلها كله هينهار.

لايا طول عمرها هادية ومستخبية. بتشتغل كتير، تذاكر أكتر، ومبتطلبش حاجة من حد. مامتها علمتها تكون “شجاعة… بس صغيرة”. تساعد الناس، بس من غير ما تلفت الأنظار.

والامتحان ده… كان دليل إن كل تعبها ماكانش رايح هدر.

لفت أول الشارع… وقفت مكانها.

على كرسي الباص، ست كبيرة واقعة، جاكتها الغالي متبهدل من الندى. وإيدها حاطة على رقبتها… والدم طالع من تحت صوابعها! شفايفها زرقة… ونَفَسها بيقطع.
والناس؟
محدش بيبص.
الراجل اللي بيجري عدى. والموظف بصلّب ساعته ومشي. والست اللي مع عربية البيبي راحت للرصيف التاني… كإن الست الغرقانة في دمها دي مش موجودة.

موبايل لايا رن:
16 دقيقة.

القلب اتحجر.
وشها اتشد.
المنظر رجّعها لآخر ليلة لمامتها… الإسعاف اللي جه بعد ٤٠ دقيقة… والدكتور اللي قال الجملة اللي قتلتها من جوّه:
"عملنا اللي قدرنا عليه."

من غير ما تفكر… ركبت على ركبتها

جنب الست.

إيدها اتحولت ليد ممرضة محترفة… عقلها اشتغل لوحده.

Airway… Breathing… اضغطي على الجرح… اتكلمي معاها.

"يا طنط… سامعاني؟"
صوتها كان خيط… خيط بتتمسك بيه عشان متقعش.

الست ردت بكحة، مسكت إيد لايا بضعف… بس كفاية تقول إنها لسه عايشة.

موبايل لايا:
7:07
7:08

الامتحان بدأ.
خلص.
ضاع.

فكرت تجري… لحظة واحدة بس.
فكرت في ليالي السهر، الامتحانات، الشغل اللي بالساعة…
بس وش مامتها طلع قدّامها… واللحظة اللي وعدت فيها نفسها إنها مش هتسيب حد يموت قدامها وهي ساكتة.

كتابها وقع في المية… الصفحات اتشوّهت بالدم والطين.
ولايا؟
ولا حسّت.

لما الإسعاف وصل… كانت لايا ماسكة روح الست بإيد واحدة.

الإسعاف وصل أخيرًا… والمسعف أول ما شاف الوضع بص للايا وقال بدهشة:

"إنتي لوحدِك عملتي كل دا؟"

ماكنتش مركّزة.
كانت إيديها مرتعشة من المجهود… وقلبها بيخبط من خوف غريب مش فاهمة سببه.

لما شالوا الست على النقالة… الست فتحت عينها بالعافية وبصت للايا نظرة فيها شكر… وخوف… وحاجة تالتة مش مفهومه.
وقالت بصوت متقطع:

"ماتسيب…نيش."

الإسعاف خدها…
ولايا وقفت في نص الشارع، إيديها متلخبطة بدم مش بتاعها، وكتابها مبلول في الأرض… ومفيش حاجة في الدنيا متأكدة منها.

غير حاجة واحدة:
امتحانها

ضاع.
منحتها ضاعت.
مستقبلها اللي كانت ماسكاه بإيديها… وقع.

رجعت السكن مشيا… كل خطوة تقيلة.
سابت هدومها على الأرض ودخلت السرير من غير حتى تاخد دوش.
وبكت…
ولأول مرة من سنين… سابت نفسها تقع.

تاني يوم الصبح…
الجامعة اتصلت.
جه قلبها وقف.
أكيد خبر الفصل.

لكن اللي سمعته كان أغرب جملة في حياتها:

"في شخص مهم جدًا… بيدور عليكي دلوقتي في مكتب العميد."

والصوت كان مقلق… ومليان احترام مش متعوداه.

لبست بسرعة—نص شعرها متعقد، الكتب متبهدلة—وجرت على الجامعة.

وما إن دخلت مكتب العميد…
حتى لقت راجل واقف.
طويل، لابس بدلة شيك جدًا… وشه معروف من التلفزيون.
عميد الكلية واقف جنبه شبه منحنِي باحترام.

الراجل لف ناحيتها… وقال:

"إنتي… لايا هاريس؟"

هزّت راسها… مش فاهمة.

العميد اتنحنح وقال:

"دا… السيد ماركوس غريفين."

الاسم وقع عليها زي صدمة كهربا.
ماركوس غريفين…
رئيس أكبر سلسلة شركات طبية في الولاية.
ملياردير.
مستشفيات، مصانع أجهزة، كل حاجة.

هو!
ليه هنا؟
ويدور عليها هي؟

ماركوس قرب منها خطوة… ونبرته كانت تقيلة، بس فيها امتنان واضح:

"الست اللي أنقذتيها… دي أمي."

الدنيا لفت.
هي كانت فاكرة الست دي أي حد…
مش والدة واحد من أغنى رجال البلد.

ماركوس كمّل، وعينيه ثابتة عليها:

"

الأطباء قالولي إن لو مكانتش في حد ساعدها في الشارع… كانت ماتت قبل ما توصل المستشفى."

بص لعينيها مباشرة:

"إنتي منتيش مجرد طالبة… إنتي أنقذتي حياتها."

لايا كانت واقفة مش قادرة تتنفس.
لسانها اتربط، دماغها بيقول:
امتحاني… منحتى… مستقبلي…

كأن ماركوس قرأ اللي جواها.

قعد على كرسي، شبك إيديه، وقال بهدوء يخوف:

"العميد حكالي إنك ضيعتي الامتحان. وإن منحتك هتتسحب."

سكت لحظة…
ثم قال:

"مش هيحصل."

العميد هز راسه وقال:

"المنحة هتتجدد فورًا… وهنديلك ميعاد امتحان خاص… بناءً على طلب السيد ماركوس."

لايا شهقت من المفاجأة.

لكن ماركوس ما خلّهاش ترتاح…
لأن الجملة اللي بعدها كانت أقوى:

"ومش بس كده."

وقف… وقرب منها.
كان قريب قوي لدرجة تسمع نَفَسه.

"عايز أعرض عليكي وظيفة… بعد ما تتخرجي.
في مجموعة المستشفيات بتاعتي.
وراتب يبدأ من… 120 ألف دولار في السنة."

لايا فتحت بقها…
نسيت الكلام تمامًا.

ماركوس ابتسم ابتسامة صغيرة… وقال:

"دي أقل حاجة أقدر أقدمها للي أنقذت أمي."

وساعتها… الباب اتفتح.

وكانت هي—أم ماركوس—واقفة… متعافية… وبتبكي.
قامت على عصاية خفيفة، ومدت إيديها للايا.

"تعالي يا بنتي… أنا مدينة ليكي بحياتي."

ولايا أول ما قربت… الست حضنتها.
حضن الأم اللي مفتقداه

بقالها سنين.

ولايا بكت في حضنها…
وماركوس واقف وراهم… بيبصلها بنظرة محدش في العالم شافها قبل كده.

نظرة رجل…
مندهش…
شاكر…
ومهتم…
زيادة عن اللزوم.

وكانت دي…
بداية قصة جديدة تمامًا.

تم نسخ الرابط