لم تمشي بنت المليونير

لمحة نيوز

لم يكن ليونارد غريفز يتخيل يوما أن الصمت قد يكون بهذا الثقل. كان يخيم على البنتهاوس كضباب كثيف لا يقطعه سوى أزيز حركة المدينة في الأسفل ووقع المطر الخفيف على زجاج النوافذ. وفي تلك الأمسية تحديدا حين دخل بيته وحقيبته في يده وحذاؤه مبتل وبدلته تلتصق بجسده كان يتهيأ لليلة أخرى من الهدوء الموحش. لكن بدل ذلك استقبله صوت لم يسمعه منذ سنواتضحك.
ضحك عال متقطع لا يمكن السيطرة عليه. توقف ليونارد في مكانه يتساءل لثوان إن كان يتخيل. عاد ذهنه إلى الأيام التي سبقت الحزن إلى ما قبل مرض زوجته ورحيلها إلى الفترة التي كانت فيها ابنته إيلا تضحك من قلبها. لكن منذ ذلك الوقت تلاشى صوتها وحل مكانه صمت يبتلع كل غرفة تدخلها.
تقدم ليونارد بخطوات بطيئة نحو مصدر الصوت وقلبه يخفق بقوة. كانت باب غرفة إيلا مواربا قليلا. نظر من خلالهوكاد الهواء يخرج من رئتيه.
هناك في منتصف السرير الأبيض كانت أماراالخادمة الجديدة التي وظفها قبل أسبوعين فقط. كان شعرها الداكن مشدودا إلى الخلف وظهرها مستقيما كمنصة ثابتة. وفوقها مباشرة جالسة وهي تضحك بشدة حتى أنها بالكاد تستطيع الجلوس كانت إيلا. إيلا التي كانت ساقاها دائما مترهلتين بلا قوة. إيلا التي لم تزحف يوما ولم تقف قط. كانت الآن متوازنة على ظهر أمارا تمسك بكتفيها وساقاها الضعيفتان

تحاولان التشبث وجسدها كله يرتجف من الفرح.
تحركت أمارا ببطء إلى الأمام والخلف كأرجوحة ثابتة. وراقب ليونارد مذهولا بينما انزلقت إيلا عن ظهر أمارا ووقفت على قدميها. تمايلت قليلا لكنها لم تسقط. كانت واقفة.
لأول مرة في حياته رأى ليونارد ابنته واقفة.
ارتعش صوته وهو يحاول الكلام
ما ما هذا
التفتت أمارا برأسها هادئة كعادتها وابتسمت ابتسامة لطيفة لا تتزحزح. وقالت
إنها تلعب فقط يا سيدي.
رفعت إيلا رأسها نحو والدها وعيناها الزرقاوان مليئتان بالدهشة لكن دون خوف. ثم بشجاعة لم يرها ليونارد من قبل خطت ثلاث خطوات غير ثابتة نحوه قبل أن تهوي . التقطها سريعا كأنها كنز يخشى ضياعه وانهمرت دموعه بلا تحكم. ضحكت إيلا وهي في صدره تشد ربطة عنقه بيديها الصغيرتين.
كان ليونارد طوال ثلاث سنوات يحملها كما لو أنها قطعة خزف قد تنكسر. أما الآن فقد تعلقت به بقوة كما لو أنها لن تتركه أبدا.
قفزت أمارا من السرير ووقفت في زاوية الغرفة تمسح يديها ببنطالها. لم تكن تبتسم طلبا للثناء. كانت فقط واقفة ثابتة وكأن ما حدث ليس معجزة بل شيئا توقعت حدوثه دائما.
سألها ليونارد وصوته مختنق
منذ متى
أجابت همسا
منذ يومين. كانت تقف على السرير تمسك بكتفي. واليوم تركت يدي.
رمش ليونارد بدهشة.
لكن الأطباء قالوا قالوا إنها يمكن أن تمشي.
قاطعته
أمارا برفق
قالوا إنها قد تمشي. وليس إنها ستفعل. فهي لن تحاول إن لم تشعر بالأمان.
سقطت الجملة على صدره كحجر ثقيل. نظر إلى إيلا التي كانت تسترخي الآن بين ذراعيه وتتنفس بسلام.
لا أجهزة ولا معالجون ولا تعليمات فقط لعب. فقط ثقة.
قال ليونارد بصوت منخفض
لقد جربت كل شيءالعلاج الفيزيائي المتخصصين وحتى غرفة الحرمان الحسي. ولا شيء نجح.
هزت أمارا رأسها
لأنهم حاولوا إصلاحها. وهي لم تكن بحاجة إلى إصلاح.
رفع عينيه نحوها
فماذا كانت تحتاج إذن
ترددت لحظة ثم قالت
إلى وجود حقيقي. شخص لا يتوقع منها شيئا. شخص يبقى معها بهدوء.
ارتجفت يداه.
ولماذا بقيت أنت
لم تهتز نظراتها.
لأنها ذكرتني بطفل لم أستطع إنقاذه.
شهق ليونارد بخفوت. جلست أمارا على المقعد القريب وصوتها ثابت
كان اسمه جوردان. عمره سنتان لا يتكلم. لم يؤمن والداه بالصبر. كنت مربيته المقيمة حتى توسلت لهم أن يخففوا الضغط عنه. فطردوني.
بقي ليونارد صامتا.
مات في سرير المستشفى بعد عام. ولم أكن هناك حين رحل.
لمعت عيناها لكنها لم تبك.
وعدت نفسي إن رأيت طفلا آخر يشبهه فلن أغادر.
لم يجد ليونارد كلمات. حلقه كان ضيقا يحترق.
قال بصوت مبهوت لم تكوني مضطرة.
هزت رأسها.
صحيح. لكنها كانت بحاجة إلى أحد.
نظر كلاهما إلى إيلا التي بدأت تغفو بين ذراعيه وإبهامها في فمها.

قالت أمارا بهدوء
هي لا تخاف من السقوط بل من أن تترك خلفهم.
شد ليونارد فكه.
كنت دائما أغادر الاجتماعات الرحلات المكالمات. ظننت أن توفير كل شيء يكفي.
لم تجب أمارا.
بلع ريقه وقال
أريد أن أغير ذلك.
قالت وهي تقف ببطء
إذن لا تقل. فقط افعل.
هز رأسه.
سأفعل.
ولأول مرة منذ سنوات كان صادقا.
في صباح اليوم التالي بدا كل شيء مختلفا. لم يكن الأمر يتعلق بالشمس التي ملأت المنزل ولا برائحة الفطائر التي أعدتها أمارا وهي تدندن بهدوء.
بل كان يتعلق بليونارد نفسهكان ما يزال في المنزل. بلا بدلة بلا حقيبة بلا هاتف على الطاولة. فقط قميص أبيض وأكمام مطوية وحذاء منزلي.
جلس على السجادة حافي القدمين يشاهد إيلا تبني برجا من المكعبات الخشبية الملونة. كانت تركز بشدة لسانها يبرز قليلا من بين شفتيها ويديها الصغيرتين تضعان كل قطعة بدقة. لم يتكلم ليونارد. لم يوجه. لم يصحح. كان فقط حاضرا.
مالت إيلا لوضع مكعب آخر لكنها فقدت توازنها وسقط البرج معها. تحرك ليونارد بسرعة على وشك النهوض لكن إيلا جلست نظرت إلى البرج المنهار ثم ابتسمت.
قالت همسا
أحاول مرة أخرى.
تجمد ليونارد.
لم يحدث هذا من قبل. لطالما كان السقوط يعني بكاء نوبات خوف صمتا طويلا. أما الآن فكان هناك صمود.
عند باب الغرفة كانت أمارا تقف بهدوء ممسكة بمنشفة مطبخ. قالت
تبدو
مذهولا.
قال
أنا كذلك. لطالما ظننت أنها مكسورة.
اقتربت
 

تم نسخ الرابط