بعد دفن مراتي

لمحة نيوز

بعد ساعة واحدة بس من دفن مراتي ابني اللي عنده 7 سنين مسك إيدي وهو بيرتعش.
وقال لي بصوت واطي
بابا ماما كلمتني من جوه التابوت.
افتكرت إن الحزن لخبط له دماغه بس الخوف اللي كان في عينه خلى قلبي يضيق.
قبل ما أفكر حتى لقيت نفسي بقول
إفتحوه إطلعوه فورا.
ولما فتحوا التابوت الناس كلها سكتت. اللي كان جواه قلب الدنيا.
كنت لسه مش قادر أفهم إزاي راجل ممكن يدفن حب عمره الصبح ويتوقع إنه يكمل حياته بعدها بساعات.
مراتي إميلي ماتت فجأة. الدكتور قال إنها حالة نادرة في المخ.
صدقتهم لأن الحزن بيخلي الواحد مطيع مش قادر يفكر ولا حتى يعترض.
بعد الدفن بساعة ابني إيفان كان قاعد جنبي على كرسي في المقابر. ما اتكلمش طول اليوم تقريبا.
كان ماسك إيدي صوابعه ساقعة وعينه على الطراب اللي لسه جديد.
فجأة قال بصوت مكسور
بابا ماما كلمتني. من التابوت.
عقلي رفض الجملة أول ما سمعها.
قولت أكيد بيقول أي كلام من الصدمة.
بس لما بصيت له كويس قلبي وقع.
وشه شاحب شفايفه بترتعش وعينه بتبص على القبر بخوف.
قولت له بهدوء
إيفان إنت متضايق. ساعات الحزن يخلي الواحد يسمع حاجات مش
قطع كلامي وهو يشد في قميصي
بابا صوتها كان واطي وكأنها مش قادرة تتنفس.
قالت لي يا حبيبي قول لبابا إني لسه هنا.
قالت كده يا

بابا!
وهنا حاجة جوايا اتكسرت.
العقل كان بيقول لأ بس قلب الأب قال نعم.
قمت فجأة وصرخت على عمال المدفن اللي كانوا لسه واقفين قريب
افتحوه! إطلعوه دلوقتي!
بصوا عليا مستغربين يمكن افتكروني انهرت.
ويمكن فعلا كنت منهار.
بس خوف الأب أقوى من أي منطق.
إيفان كان ماسك إيدي جامد كأنه مستنجد بيا.
رجع العمال بالمعدات وبدأوا يحفروا.
ناس كتير اتجمعت المعزين العمال حتى مدير الجنازة كان بيقول لي بهدوء
مفيش داعي صدقني.
تجاهلته.
ولا كان فارقلي أي كلمة.
أول كرسة تراب اتشالت حسيت الدنيا بتدور.
كل ثانية كانت ماشية ببطء قاتل.
أنا مش مؤمن بالمعجزات.
ولا أصوات بتطلع من قبور.
بس مؤمن في ابني وفي الخوف اللي كان ماسك روحه.
ولما ظهر غطا التابوت إيديا بدأت ترج.
وجزء مني بجد خاف إنها تكون صح.
ولما اتفتح
اللي شفناه غير كل حاجة لما غطا التابوت اتكشف قلبي كان بيخبط في صدري لدرجة حسيت إنه هيوقع.
العامل مد إيده وسحب المسامير ورفع الغطا
والناس كلها وقفت من غير نفس.
إميلي ما كانتش نايمة زي الجثة.
كانت متشقلبة على جنبها وشها مصفر وعنيها مفتوحة.
صرخة طلعت من حد ورايا وأنا رجليا اتخدرت.
إيفان مسك إيدي جامد وقال بصوت مخنوق
بابا قلتلك.
لكن الرعب الأكبر
إن فيه علامات خدوش على جوانب التابوت
من جوه.
أظافرها كانت متكسرة وكأنها فضلت تخبط وتصرخ جوه لحد ما
بس قبل ما عقلي يكمل الجملة العامل صرخ
يا نهار أبيض هي سخنة! الجسم سخن!
حسيت الدنيا بتسود.
لو جسمها سخن يبقى إميلي ما كانتش ميتة.
كانت في غيبوبة شلل أي حاجة
بس مش ميتة.
واللي خلى قلبي يوقف فعلا
إنها اتنفست نفس صغير واهن قدامنا.
صرخة عالية طلعت من وسط الناس
لحقوها! دي عايشة!
جريت عليها إيديا بتتهز وهي بتمد صباع بتحاول تكتب على هوا كأنها بتشير لحد.
قربت ودني منها
صوتها كان أضعف من الهمس بس سمعت كلمة واحدة
مارك
مارك
مين مارك
مدير الجنازة مارك سوليفان
اللي كان طول الوقت واقف يقول لي مفيش داعي
اللي كان مصر ما نفتحش التابوت بأي شكل
بصيت ورايا أدور عليه
ملاقيتوش.
كان واقف من دقيقة
وفجأة اختفى وسط الناس.
إميلي فتحت عنيها نص فتحة دموع نازلة على خدها وحاولت تتكلم تاني
هو عمل ده
جسمي اتجمد.
مارك مدير الجنازة
هو اللي سلمنا شهادة الوفاة
هو اللي عجل بدفنها
هو اللي كان واقف عند رأسها طول التحضير.
إميلي كملت صوتها بيتقطع
سمعت اللي قاله للطبيب كانوا مستعجلين
مستعجلين على إيه
دماغي كانت بتولع.
وقبل ما تلحق تكمل جسمها ارتجف وعينيها اتقفلت تاني.
الإسعاف وصلت وشالوها جري على المستشفى.
وإيفان ماسك هدومي مرعوب
ومتلخبط.
وأنا
واقف قدام التابوت المفتوح وبصمات أظافر مراتي محفورة جوه
وبارد زي التلج.
كل الخيوط كانت بتقود لسؤال واحد
مين اللي كان مستعجل يدفن مراتي قبل ما تفوق وليه
والسؤال الأخطر
فين مارك سوليفان
في المستشفى قعدت في طرقة الطوارئ رجليا بتتهز ومخي بيولع.
إيفان كان نايم على رجلي منهك من الخوف والبكاء.
بس أنا ماكنتش قادر أرمش.
بعد ساعة خرج دكتور بنظرة غريبة وقال
مراتك النجدة جات بدري. هي بين الحياة والموت بس لسه عايشة.
اتنهدت دمعة نزلت مني من غير ما أحس.
بس الدكتور كمل كلامه وهو عابس
في حاجة محتاج تعرفها مراتك ما ماتتش.
اللي حصل تسمم بجرعة بطيئة. بتبطل النفس لفترة تخليها شكلها ميتة لكن لا.
اتجمدت.
حسيت الحيطان بتضيق.
سألته بصوت مبحوح
وتفتكر مين عمل كده
الدكتور بلع ريقه وقال
مراتك قبل ما تغيب في الغيبوبة نقلت لي كلمة قالت مارك عارف.
كانت كافية.
قمت أجري برا المستشفى.
اتصلت بالشرطة وأنا في الطريق للمشرحة المكان اللي مارك المفروض يكون فيه في الشفت بتاعه.
لكن لما وصلت
المكان كان فاضي.
مكتبه مفتوح وأدراج مقفولة بنصها وأوراق متبعثرة.
وكان فيه ملف مفتوح على المكتب ملف بإسم إميلي هارت.
ومكتوب بخط إيد
تسليم الجثمان فورا. بدون تأخير.
وتحتها توقيع مارك سوليفان.

قبل ما ألحق أفهم سمعت صوت حركة جوه.
دخلت جري لقيت باب خلفي مفتوح على ساحة العربيات.
مارك كان بيجري.
جريت وراه قلبي بيخبط
تم نسخ الرابط