رواية رقم ١٧ الفصل الاخير
كثافةيتكاثف كما لو أن جسدا يتسرب من مكان بين الجدار والواقع.
ظهر الصوت منخفضا عميقا
مضت سنوات يا صقر سنوات وأنا أنتظر أن تتجرأ وتدعوني بنفسك
تراجع بدر بخوف ان ما يسمعه لا يكاد يصدقه لكن الشيخ بدر رفع يده طالبا منه الثبات.
قال الشيخ بهدوء قاتم
لم أدعك أنت الذي خنت عهدكضحك الجني ضحكة لا تشبه البشر.
ضحكة تتكون من طبقات كأن ثلاثة رجال يضحكون متزامنين دون أن يتفقوا على وتيرة واحدة.
ثم قال
عهدي أنت من كسر العهد يا ابن المرقاة القديمة.
لم يفهم بدر لكن الشيخ تجمدهذا اللقب لم يسمعه منذ عشرين عاما.
منذ زمن بعيد قبل أن يصبح الشيخ بدر شيخا كان شابا يتدرب تحت يد رجل كبير في السن اسمه الشيخ ناصر.
ذلك الرجل كان معروفا بقدرته على التعامل مع الكيانات التي تتجاوز الجن العاديين كائنات تسكن ما بين ليست سماوية ولا أرضية.
في إحدى الجلسات القديمة واجه الشيخ ناصر هذا الكيان لأول مرة لم يكن اسمه مكتوبا في أي كتاب لكنه قدم نفسه يومها هكذا
أنا من بقي بعد خروج السامري.
جملة لا تقال في عالم الجن ولا يجرؤ من هو أقل شأنا على النطق بها.
فكل من يذكر اسم السامري يلمح إلى خطيئة قديمة لا تزال آثارها تهتز في الطبقات السفلية للعوالم.
الشاب بدر يومها ساعد شيخه في طرده ليس بقوة القراءة بل بخدعة روحية قديمة تعليق اسم لا ينطق على باب الجسدكانت تقنية نادرة لا تستخدم إلا ضد الكيانات التي لا تتأثر بالكلمات بل بالرموزوبسببهاتشتت الكيان لسنوات واعتبر الأمر طعنا في كبريائهومنذ ذلك اليوم وهو عدو الشيخصفحة الكاتب على الفيس بوك بأسم اسماعيل موسى
الظل خلف المرأة ازداد كثافة حتى اتخذ شكلا يكاد يرى
ليس هيئة إنسان بل هيئة شيء يتذكر كيف يكون الإنسان
عمود طويلكتفان غير متماثلين
ورأس بلا ملامح واضحة كأنه منحوت من دخان ثابت.
قال الجني بنبرة ثقيلة
لقد حررت نسخي الثلاث التي حاربتها اليوم
كانت مجرد شقوق منيظلال تلعق الطريق قبل أن أخرج.
اقترب
قال الشيخ
جئت لتأخذها القصه بقلم اسماعيل موسى
رد الكيان
جئت لأخذك أنتثم أضاف بسخرية
أخشى أنك لم تخبر زوجها أنك لست هنا من أجلها فقط بل من أجل دين قديم بيننا.
ارتجف بدر وسأل بصوت مبحوحدين أي دين
ضحك الجني
شيخك هذا استولى على شيء لا ينبغي لبشر أن يقترب منه.
نظر الشيخ إليه بثبات وقال
كان ذلك رمزا لحماية كل من يمسهم جنسك.
وأنت تعلم أنه لم يكن من حقك.
اقترب الجني حتى أصبح الظل يلامس كتف المرأةارتفع شعرها كأنه يتبع يدا غير مرئية.
قال الكيان هامسا
هذا الرمز كان ختم الخروج الثانيختم السامري.
وأنت سرقته.
صمت الشيخ بدر لحظة طويلة ثم قال
سرقته لأمنعك من استخدامه
صرخ الكيان بسببك قتلت ناصر لم أكن أعلم أنك سرقت الختم من شيخك قبل أن اقتله
ارتفع ضوء المصباح فجأة ثم تكسر كله وتناثرت شظاياه في الهواء دون أن تسقط على الأرض كأن شيئا يمسك بها.
قال الجني
إذن نحن نكمل ما بدأناه. القصه بقلم اسماعيل موسى
بدأ الكيان يردد كلمات غير مفهومة ليست عربية ولا عبرية ولا آياتكأنها لغة ما قبل اللغات.
صوت المرأة فجأة انضم للكلامثم صوت آخر من جهة النافذة ثم ثالث من داخل الأرض.
كان الشيخ وحده يفهم ما تعنيه هذه الكلمات لأنها ليست كلمات إنها معادلة فتحفتح باب باب لا ينبغي أن يفتح.
قال الشيخ بدر بصوت خافت
أنت تحاول استعادة الختم ليست دعابة. إذا فتحته هنا لن يمس جسدا واحدا فقط.
ضحك الجني
وهل تظنني جئت لأجل امرأة وأحده
لم تمض ثوان على بداية تلاوة الشيخ بدر حتى تغير الهواء داخل الغرفة بطريقة لا يملك العلم تفسيرها.
درجة الحرارة انخفضت فجأة حتى بدت أنفاس الثلاثة بخارا خفيفاثم هبت ريحريح داخل غرفة مغلقة النوافذ.
الستائر ارتفعت لأعلى كأن يدا غير مرئية تمسك بأطرافها
والغبار الخفيف على الأرض دار حلقة حول السرير كأنه يرقص في جنونثم
عمامة الشيخ طارت من فوق رأسه
دون أن تلمسها يد ودون هواء كاف لرفعها بهذا الاندفاع
ارتفعت إلى السقف دارت ثم سقطت في إحدى زوايا الغرفة.
وفي اللحظة نفسها بدأ جسده يتعرق بغير توقف
عرق بارد غزيركأن جسده يستنزف من داخله في معركة لا ترىقطرات العرق انحدرت على جبينه على صدغه على عنقه كأنه يقف في قيظ صحراء رغم أن الهواء مخيف البرودةكان يشعر بثقل فوق كتفيهثقل كأن شخصا يجلس فوق جذعه ليمنعه من النطق.
همس بدر بصوت مرتعش
حضرتك وشك اتغير في إيه
لم يلتفت الشيخ ولم يردصوت التلاوة ارتفعارتفع إلى درجة لم يسمعها الرجل منه قطكان الشيخ يقرأ كمن يقاتللا كمن يقرأصوته أصبح غليظا ثقيلا يخرج من صدره كصوت رجل آخر يقف خلفه ويدفعه للكلاموكأن الكلمات نفسها تنتزع من عمق روحهاللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين
اللهم احفظ عبادك من دمار هذا البغي
اللهم لا تتركه يستبد بالجسد ولا بالعقل
كل كلمة كان ينطقها كانت ترتطم بجدران الغرفة كصدى معدنيالهواء يهتز السرير يقشعر الستائر ترتفع وتهبط.
وفجأةانقطع الصوت.
صمت مطبقثقيل حتى خيل لبدر أن قلبه توقف للحظة.
ثم ظهرالكيان النسخة الأصلية
لم يظهر من جسد المرأة هذه المرةبل ظهر خلف الشيخ.
ظل طويلوجسد يتكون من طبقات دخانية ثم يكتسب شكلا أكثر تماسكارأسه بلا ملامح واضحةلكن فمه وحده يتخذ شكلا ثابتاابتسامةابتسامة ساخرة
مطمئنة واثقة
كأن الوجود كله لعبة بيده.
قال بصوت ليس مرتفعا لكنه سمع واضحا كأن الصوت يلقى مباشرة داخل الأذن
أتعلم يا بدرلقد تأخرت كثيراهذا الجسد ليس ملكك.
ارتجف بدروتابع الكيان دون أن يحول نظره عن الشيخ بدر
أنت تطلب المعونة من السماء
وأنا كنت هنا قبل أن ترفع رأسك إليها.
ثم مال رأس الكيان قليلا نحو الزوج بدر كأن الابتسامة تتسع رغم أن وجهه بلا تفاصيلأتعرف ما يؤلمك حقا
سكت لحظة
حتى أصبح الصمت نفسه تهديداثم قال الجني بصوت خافت قرب أذن بدركأنه يتسلل
راما ليست ابنتكانكمش صدر بدر لم يجد الهواء.
واصل الكيان ببرود كامل
هي ابنتي.
من دمي.
من نسلي.
ومن عالمي
ثم اقترب أكثر حتى شعر بدر بأنفاس ليست بشرية تمس وجههوسأستعيدها رغمآ عنك رغمآ عن هذا الشيخ اللعين
لن أتركها تعيش بينكمستعود إليحين ينتهي الزمن الفاصل بين العالمين فى تلك اللحظة تشكلت صورة سينمائية على جدار غرفة راما قرب التلفاز رأت راما منزل قصر مذهل محاط بالأزهار والعشب يلوح من فوق سطحة علم احمر اللون رسمت علية نصف قبعه........
_ثم صرخ الجنى بصوت رنان تعرف يا صقر اننى لن ارحل دون الختم امنحنى الختم وننهى كل ذلك... على كل حال عند عودتى مره اخرى لن تكون موجود فى هذة الحياه.
ارتفع صوت الشيخ بدر أكثر بخشوع ثمبلا مقدمات
اهتز جسد حنان بعنفوانسحب الظل إلى داخلها باندفاع كأن شيئا يسقط في بئرالمصباح انطفأالريح توقفتالستائر سقطت.
والشيخ بدر
سقط على ركبتيه يلهث كأنه صعد جبلا كاملا في دقيقة واحدة..
تغير جو الشقه اختفت البروده ركض بدر واحضر كوب ماء للشيخ بدر.
رحل يا شيخ ساب مراتى والشقه خلاص
همس الشيخ صقر بصوت مرتعش باهت شارد وهو ينظر إلى حنان التى تفتح عينيها بصعوبه
خلاص الكيان رحل من الشقه يا بدر قرب من مراتك واحتويها مراتك هتكون محتاجه قربك وعطفك الايام إلى جايه.
قرب بدر من مراته حنان إلى كانت مصدومه بتسأل حصل ايه
انا فين
بدر همس محصلش حاجه ثم ضمها إلى صدره وراح يبكى بحرقه.
قصد الشيخ صقر باب الشقه وقال قبل رحيله يا بدر متصدقش اى حاجه قالها الكيان لانه بيحاول يتلاعب بعقلك يفسد حياتك اختفى الشيخ صقر لكن كلماته الاخير حركت شيء مخيف داخل بدر شيء يتعلق براما ابنته.
تحسنت صحة حنان الشقه حلت عليها السكينه والهدوء
رحل الكيان فعلا لكنه ترك جرح داخل صدر بدر ترك له فكره تتلوى فى صدرة فكره لا يستطيع قتلها إلا عندما يتحقق
لذلك بعد يومين ودون علم حنان اخذ ابنته راما للفحص.
انتهت