رواية الطفلة والوحش الفصل العشرون 20 بقلم نورا السنباطي
رواية الطفلة والوحش
الفصل التاسع عشر
بقلمي نورا مرزوق
كانت الساعة قربت على العصر، والجو كله مسموم بالصمت، بس دماغ يزن كانت بتصرخ... الصدمة مش سايبة له فرصة يلتقط أنفاسه.
آرين جوا المستشفى، محطوطة على الأجهزة، وإيده ماسكة إيدها كأنها طوق نجا، بس قلبه مش ثابت... في حاجة بتتحرك في الضلوع، قلق... إحساس مرّ، كأن اللي جاي مش هيكون سهل.
رنّ تليفونه.
اسم المتصل : غير معروف
ضغط على شاشة، ورفع الموبايل لأذنه
– " ألو "
جاله الصوت من الطرف التاني ببرود قاتل:
– اووه صوتك فعلا زي الوحش صدق اللي سماك وحش بس هل يا تري هتقدر تنقذ ولاد عمك اممم معتقدش الصراحه
شهق يزن بدون صوت، عينيه اتسعت، ووقف فجأة كأنه اتكهرب:
– "لو لمست أي حد منهم متلمونيش علي اللي هعملة فيك .."
ضحك فيكتور وقال:
– " هههههه هو انت علطول سريع الغضب كده اهدي كده وافتكر انو ولاد عمك عندي هنا تحت رحمتي اممم حاسس انك مش مصدق طب اسمع كده
وصوت صرخة مكتومة جه في السماعة.
يزن قلبه وقع، صرخة معرفش يحدد مين صاحبها... فهد ؟ رعد ؟ مش قادر يميز، بس الصرخة كانت وجعه.
– "هقتلك… هقتلك ، وده وعد."
فيكتور ضحك وقال:
– "لو لحقتني… بس مستبعد. وانا شوفت قوة ولاد عمك رغم اني عذبتهم كتير بس مفيش واحد
الصراحه انا عارف مازن شخص غبي مش هيقدر يعمل حاجه واي اللي متعرفهوش انو الشبكة اللي رعد وفهد كانو جايين ليها دي كله من تخطيطي عندك 24 ساعه
يا ملك السوق. بعد كده؟ حفرة جماعية لولاد عمّك. وانت حرّ، اختار: تفضل جنب المريضة اللي نايمة، ولا تنقذ اللي بيتعذبوا وهما صاحيين؟"
وسمع بعدها صوت الخط وهو بيتقفل.
يزن بغضب ـ انت مين يا حيواان الوووو
رن عليه تاني بس الخط كان اتقفل
…
الهدوء نزل على يزن فجأة، بس مش هدوء راحة… لا، ده هدوء اللي تايه، اللي واقف في نص عاصفة وماسك قلبه بإيده.
بص على آرين… كانت نايمة بوش هادي، بريء، بس على صدرها جهاز تنفس، وعلى إيدها كانت لسه لامسة دراعه. كأنها بتقول له: "متسبنيش."
بس أولاد عمّه هناك… في خطر… لو اتأخر، هيخسرهم.
حط راسه في إيده، وركب التوهان في روحه، صراع مش قادر يفصله... وفعلاً حس إن الأرض بتتهز تحته، كأن الحِمل أكبر من اللي يتحمله.
وفجأة… سمع أذان العصر.
"الله أكبر… الله أكبر…"
الصوت اخترق أذنه زي شعاع نور، بسيط، بس قوي… شد نفس طويل، وخرج من الغرفة، ومشي على رجليه من غير ما يفكر.
رجليه خادته للمكان اللي عمره ما نسيه… الجامع اللي قابل فيه الإمام قبل كده
دخل
بص ليزن وابتسم من غير ما يسأله، كأنه عارفه، عارف اللي جواه.
قعد يزن جنبه، وقال بصوت مبحوح:
– "أنا تايه يا مولانا."
الإمام بص له، وقال بهدوء:
– "ما دام جيت بيت ربك، يبقى انت في الطريق الصح… تعالى، اقعد .."
قعد يزن ومقدرش يتكلم سكت وبس
ابتسم الإمام وقال بهدوء وهو بيبص للمصحف:
– "بص يا بني، أوقات ربنا بيكسرك عشان يعرفك... يشيل من حياتك ناس، ويقفل أبواب، ويهدّك لحد ما تنزل على ركبك... مش لأنه بيكرهك، لا... ده لأنه بيحبك وبيجهزك لحاجه كبيرة أوي، أكبر من اللي انت متخيله."
بص ليه يزن، ولسانه مربوط… بس قلبه بدأ يدق بطريقة مختلفة، كأنه بيحاول يسمع.
الإمام كمل:
– "عارف إمتى تعرف إنك بجد قوي؟ لما تكون واقع، وبتدعي... لما تبقى دموعك نازلة بس قلبك بيقول: (رضيت يا رب)، لما تكون في عز الوجع ولسه عندك حسن ظن في الله. ساعتها؟ تبقى وصلت للسكينة اللي الناس كلها بتدور عليها."
بص للمصحف اللي في إيده، وقال:
– "القرآن يا ابني مش كتاب بتقراه لما تكون فاضي، ده كتاب بينقذك وانت غرقان... اسمع دي: 'ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين'... شايف؟ بيقولك متحزنش، لأنك أعلى… بس بشرط؟ إنك
يزن كان بيبص له بس، بس عنيه بدأت تلمع... نظرة مش دموع بس، دي نظرة حد رجع يشوف الطريق.
الإمام كمل بصوت هادي، وابتسامة كلها طمأنينة:
– "اللي يشيل حمل زيك يا بني، لازم يكون قوي… وصدقني، لو ربنا ما كانش شايف فيك خير، ما كان ابتلاك بالشكل ده. آه… قلبك موجوع، وأنا مش هكذب عليك، اللي انت فيه مش سهل… بس مين قال إن السهل بيطلع رجالة؟"
سكت شوية، وبعدين قال:
– "قوم… وتوكل… وشوف هتعمل إيه، بس قبل ما تتحرك، سلمها لله… لأن اللي يسلم، ميتكسرش… بيفوز حتى وهو في وسط النار، لأن ربنا معاه.
يزن حس كأن الجدار اللي جوّاه اتشال… وقف وهو بياخد نفس طويل… ونظر للإمام بنظرة امتنان ما يعرفش يترجمها بكلام، بس قلبه كان بيدعيله بكل الطرق.
صلو العصر وبعدين
خرج من الجامع، والشمس بدأت تميل… والوحش رجع، بس المرة دي؟ رجع بروح مؤمنة، وعقل رايق، وقلب جاهز يشيل اللي جاي.
ولما الوحش يؤمن… ماحدش يقف قدامه
خرج يزن من الجامع وراح على المستشفى، قلبه مش مطمن غير لما يشوف آرين، دخل الغرفة بهدوء…
كانت نايمة، بس عينيها اتفتحت أول ما حست بخطواته.
ابتسمتله رغم التعب، وقالت بصوت واطي:
– "رجعت… كنت مستنياك.
قرب منها، وقعد على طرف السرير، وقال:
ـ عاملة اي دلوقتي