كنت مخلفه ولد وبنت زهرة الربيع

لمحة نيوز

لأخوك، ولا تسمحي في نفس الوقت لأي إنسان يظلمك.
وفاء فضلت ساكتة.
ثم قرأت آخر سطر
سامحي لما يكون التسامح آمنًا، لكن لا تعودي إلى المكان الذي أذاك.
رفعت عينيها وقالت
بابا كان فاهم.
قلت لها
كان فاهم أكتر مننا كلنا.
وفي نفس اليوم، طلبت وفاء من عصام ييجي.
لما وصل، حطت الجواب قدامه.
قرأه بهدوء.
وبعد ما خلص، قال
أنا كنت محتاج أقرأ الكلام ده من زمان.
وفاء قالت
وأنا كنت محتاجة أسمعه من حد.
سكت عصام.
ثم قال
أنا مش هطلب منك تنسي.
قالت
وأنا مش هطلب منك تفضل تعاقب نفسك.
نظر لها باستغراب.
كملت
الغلط اللي حصل انتهى، لكن مسؤوليتك إنك ما تكرروش.
هز رأسه.
وقال
وعد.
بعدها خرجا من المكتب.
أما أنا، ففضلت وحدي للحظات، وبصيت لصورة أبوهم المعلقة على الحائط.
وقلت
كان نفسي أشوف الرسالة دي من سنين.
لكن وفاء سمعتني.
وقالت
يمكن لو شفتيها زمان، مكنتيش فهمتيها.
بصيت لها.
قالت
أحيانًا الإنسان ما بيفهمش قيمة النور غير بعد ما يخرج من الضلمة.
كانت الجملة الأخيرة هي أكتر شيء وصف حياتنا.
وفاء لم تستطع أن تستعيد شعرها الأسود.
ولم تستطع أن تستعيد الأيام الثلاثة.
ولم أستطع أنا أن أرجع الزمن وأفتح الباب.
لكننا قدرنا نعمل حاجة واحدة
ما نسمحش للماضي إنه يصنع مستقبلنا.
وبعد سنوات، لما اتسألت وفاء عن سبب تأسيس مركزها، قالت
لأني عرفت معنى إن الإنسان يحس إنه مالوش اختيار.
ثم أضافت
وأنا عايزة كل واحدة تدخل هنا تعرف إن صوتها مهم، وإن حياتها قرارها، وإن طلب المساعدة مش ضعف.
أما عصام، فكان أول واحد يدعم المركز.
وكان دائمًا يقول
أختي غيرت حياتي.
وأنا كنت أقول
بنتي علمتني متأخر لكن علمتني.
وفي آخر يوم من كل عام، كانت وفاء تقف أمام قطعة الباب الحديد القديمة المعلقة في مكتبها.
تلمسها بعينيها فقط، ثم تقول
هنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
وتبتسم.
لكن هنا بدأت حياتي الحقيقية.
وهكذا، لم يعد الشعر الأبيض علامة على ثلاثة أيام من الرعب.
بقى علامة على امرأة رفضت أن تظل سجينة لما حدث لها.
وكان أكبر انتصار لوفاء إنها خرجت من القصة من غير ما تتحول إلى نسخة من الأشخاص اللي ظلموها مرت شهور، ووفاء بقت مشغولة بتوسيع المركز، وعصام بقى مسؤول عن إدارة جزء من المشروع.
وفي صباح يوم، دخلت وفاء مكتبها ولقت ظرف جديد فوق المكتب.
ما كانش عليه اسم.
فتحت الظرف، فوجدت صورة قديمة لوالدها، وخلفها جملة واحدة
في حاجة أبوكي خبّاها عنكم ولسه وقتها جه.
وفاء اتوترت.
اتصلت بعصام فورًا.
جاء إليها، ووضعا الصورة أمامهما.
عصام قال
دي صورة بابا في الورشة القديمة.
وفاء قلبت الصورة.
وجدت رقمًا مكتوبًا بالقلم خلفها.
قالت
نرجع للورشة.
ذهبا إلى المكان القديم، لكن الورشة كانت مقفولة منذ سنوات.
بعد البحث، وجدوا صاحب العقار، وسألوه عن والدهم.
قال لهم
والدكم كان سايب صندوق صغير عندي، وقال لي ما أسلموش غير لوفاء لما تكبر.
وفاء اتفاجئت.
قالت
ليه أنا؟
رد الرجل
ما أعرفش.
أخرج الصندوق.
كان صغيرًا ومغلقًا بمفتاح.
وفاء أخرجت المفتاح القديم اللي وجدته في صندوق والدها.
فتحته.
جواه دفتر، وبعض الأوراق، ورسالة.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوبًا
يا وفاء، لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا كنت واثق إنك هتقدري تفهمي.
بدأت تقرأ بصوت مرتعش.
أنا عارف إن الدنيا مش هتكون سهلة، وعارف إن بعد وفاتي ممكن يحصل خلاف على حاجات كتير. علشان كده كتبت كل شيء بالتفصيل.
الدفتر كان يحتوي على حسابات المشروع القديم، وأسماء أشخاص لهم حقوق، وأوراق تثبت أن والدهم كان يحاول حماية أموال العمال من الضياع.
وفاء قالت
يعني بابا كان بيحفظ حقوق الناس طول الوقت.
عصام رد
وإحنا كنا فاكرين إن أهم حاجة في الحياة هي الفلوس.
وفاء هزت رأسها.
لا أهم حاجة إن الإنسان يسيب وراه سيرة كويسة.
وبعد مراجعة الأوراق، اكتشفوا مبلغًا قديمًا ما زال محفوظًا باسم والدهم.
وفاء قررت تستخدم جزءًا منه لتوسيع مركز التدريب.
لكن قبل ما تعمل أي خطوة، بحثت عن أصحاب الحقوق المذكورين في الدفتر.
واحدًا وراء الآخر، بدأت توصل لكل شخص أو أسرته.
حتى آخر مبلغ.
وبعد ما انتهت، رجعت إلى البيت وهي تشعر براحة كبيرة.
قالت لي
دلوقتي أقدر أبدأ المشروع من غير ما يكون عليا حق لحد.
قلت لها
أبوك كان هيبقى فخور بيكي.
ابتسمت.
وقالت
وأنا فخورة إني بنته.
ثم دخل عصام.
كان ماسك ورقة.
قال
أنا كمان عملت حاجة.
سألته
إيه؟
قال
كتبت إقرار إن نصيبي في المشروع مش هيتغير إلا بموافقة وفاء، وإن أي خلاف بينا يتحل بالعقد والقانون.
وفاء ضحكت.
وقالت
واضح إنك اتعلمت الدرس كويس.
رد
اتعلمته متأخر.
ثم نظر إليها وقال
بس أحسن ما أتعلموش خالص.
وفي آخر الليل، جلست وفاء أمام المرآة.
مررت يدها على شعرها الأبيض، ثم ابتسمت.
دخلت عليها وقلت
لسه بتفكري في اللي حصل؟
قالت
أوقات.
سألتها
وبيوجعك؟
قالت
زمان كان بيوجعني.
ثم أضافت
دلوقتي بيفكرني إني قدرت أبدأ من جديد.
ابتسمت لها.
وفي صباح اليوم التالي، فتحت وفاء أبواب المركز.
دخلت أول مجموعة من البنات.
علقت على الحائط لوحة صغيرة مكتوب عليها
هنا نتعلم شغلنا، ونعرف حقوقنا، ونبني حياتنا بإيدينا.
وقفت وفاء أمام اللوحة.
وبجانبها وقف عصام.
أما أنا، فكنت أراقبهما من بعيد.
ابني الذي كان يومًا سبب خوف أخته
بقى واحدًا من الناس اللي بيساعدوها.
وبنتي التي خرجت من المخزن وهي مكسورة
بقت امرأة بتفتح أبوابًا لغيرها.
وساعتها فهمت إن بعض النهايات ما بتكونش إن الماضي يختفي.
النهاية الحقيقية
إن الماضي يفضل موجود، لكن ما يبقاش قادر يتحكم فيك.
وفاء احتفظت بقطعة الباب الحديد القديمة.
مش علشان تفتكر الألم
لكن علشان تفتكر إنها خرجت.
وكلما سألتها واحدة
ليه محتفظة بيها؟
كانت تقول
علشان أفتكر إن أي باب اتقفل في وشي، قدرت أفتح بعده ألف باب مرت سنوات، وبقت وفاء واحدة من أهم الناس في منطقتها.
المكان اللي بدأته من قطعة الأرض الصغيرة كبر، وبقى مركزًا يساعد البنات والسيدات على تعلم شغل يقدروا يعتمدوا منه على نفسهم.
أما عصام، فبقى شخص مختلف تمامًا.
كان كل ما يفتكر الماضي يقول
أنا كنت فاكر إن القوة معناها إن الناس تخاف مني، لكن أختي علمتني إن القوة الحقيقية إنك تحترم الناس حتى لما تكون مختلف معاهم.
وأنا كنت أكثر واحدة شايفة التغيير.
وفي يوم، طلبت مني وفاء أروح معاها المركز.
دخلتني مكتبها، وأشارت إلى قطعة الباب الحديد القديمة المعلقة على الحائط.
قالت
فاكرة ده؟
دموعي نزلت.
قلت
أنساه إزاي؟
قالت
زمان كان ده باب سجن.
ثم ابتسمت.
دلوقتي بقى شاهد على إني خرجت.
بصيت لشعرها الأبيض.
وقلت
حقك عليا يا بنتي.
وفاء سكتت لحظة، ثم قالت
أنا مش محتاجة منك ترجعي الماضي.
ثم أضافت
أنا محتاجة منك حاجة واحدة بس.
سألتها
إيه؟
قالت
لما تشوفي أم بتفرق بين أولادها، قولي لها اللي حصل لنا.
هزيت رأسي.
وقلت
أوعدك.
دخل عصام في اللحظة دي.
كان ماسك مفتاحًا جديدًا.
قال
جاهزين؟
وفاء سألته
لإيه؟
قال
عملت باب جديد للمركز.
وفاء ضحكت.
وقالت
يعني هنشيل الباب القديم؟
رد
لا.
وأشار إلى قطعة الحديد القديمة.
نخليه مكانه.
ثم قال
والباب الجديد يبقى للداخل.
بصيت لهم وأنا ببكي.
فهمت وقتها معنى اللي حصل.
الباب القديم كان يقفل على الخوف.
أما الباب الجديد فكان بيفتح على الحياة.
وفاء وقفت أمام البنات وقالت
أنا كنت فاكرة في يوم إن حياتي انتهت.
ثم نظرت إلى شعرها الأبيض.
لكن اكتشفت إن الإنسان مش بيتحدد باللي حصل له.
وسكتت لحظة.
بيتحدد باللي بيعمله بعد اللي حصل.
صفق الجميع.
أما أنا، فرفعت عيني للسماء وقلت
سامحني يا رب.
وعرفت إن الزمن مش هيرجع.
وفاء مش هتنسى الأيام اللي ضاعت.
وعصام مش هينسى أخطاءه.
وأنا مش هنسى إني خذلت بنتي في الوقت اللي كانت محتاجة أمان.
لكننا جميعًا تعلمنا.
وفاء خرجت من الظلام أقوى.
عصام خرج من غروره إنسانًا أفضل.
وأنا خرجت من خوفي أمًا تفهم أخيرًا معنى العدل.
ومن يومها، كلما سأل أحد وفاء عن سر شعرها الأبيض، كانت تبتسم وتقول
ده مش سر ده دليل إن أصعب أيام حياتي عدت، وإن اللي حصل لي ما قدرش يمنعني من إني أعيش باقي عمري بطريقتي.
ثم تدخل المركز، وتفتح الأبواب أمام البنات.
أما الباب الحديد القديم
ففضل معلقًا على الحائط.
تحتَه لوحة صغيرة مكتوب عليها
لا تجعل خوفك من شخص تحبه سببًا في ظلم شخص آخر.
وهنا انتهت الحكاية
لكن درس وفاء فضل مفتوحًا لكل أم وأخ وأخت
الحب الحقيقي مش تفضيل واحد على التاني الحب الحقيقي إنك تحمي كل أولادك من الظلم، حتى لو الظالم واحد منهم.

تم نسخ الرابط